عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
أدب

الزجل في زمن الفيديو القصير

Abderahmane Hellal · 11 يوليو 2026

في مقطع مصوّر انتشر على نطاق واسع، يقف شاعران وجها لوجه، يتبادلان أبياتا مرتجلة في مبارزة كلامية حية، كل بيت رد سريع على سابقه، والجمهور من حولهما يهتف كما لو كان في حلبة ملاكمة لا أمسية شعرية. هذا المقطع، الذي جمع بين الشاعرين أكرم قوّار ومحمد العرّاني، دفع كثيرا من المشاهدين غير العرب إلى مقارنته بمبارزات الراب الارتجالية الأمريكية، رغم أن ما يشاهدونه فن عربي عمره يمتد لثمانية قرون على الأقل: الزجل (The Conversation, 2026).

من قرطبة إلى الشاشة

الزجل شكل شعري عربي يُنظم بالدارجة لا بالفصحى، ويعود أقدم أثر موثق له إلى الأندلس الإسلامية في القرن الثاني عشر، حين برز الشاعر القرطبي ابن قزمان بوصفه أشهر من نظمه، في قصائد تتغنى بالمديح والخمر والحب بلغة قريبة من الناس لا تتقيد بصرامة العروض الفصيح. منذ تلك البداية، حمل الزجل صفة مزدوجة: شعر رصين في بنيته، لكنه شعبي في مادته ولغته، ما جعله دوما أقرب إلى الجمهور العريض من الشعر الفصيح النخبوي.

انتقل هذا الفن لاحقا إلى المشرق، وازدهر بشكل خاص في لبنان وفلسطين وسوريا والأردن، حيث تحول إلى مبارزة شفوية حية بين شاعرين يتنافسان بالبديهة أمام جمهور مباشر، في تقليد يشبه أعراسا لفظية كاملة العدة: قافية، إيقاع، وذكاء آني لا مجال فيه للتحضير المسبق.

الجرح والبعث الرقمي

تراجع الزجل بشكل حاد خلال الحرب الأهلية اللبنانية بين عامي 1975 و1990، حين تفككت المناسبات الاجتماعية الكبرى التي كانت تحتضن هذه المبارزات الحية، وانحسر الفن إلى دوائر أضيق من الممارسين المتخصصين. ما لم يكن متوقعا هو أن وسيلة الإحياء لن تكون مهرجانا تراثيا رسميا، بل خوارزمية توصية على تطبيق فيديو قصير لم يكن له وجود حين وُلد هذا الفن أصلا.

اليوم، تُعاد مقاطع من عروض زجل لبنانية من الستينيات والسبعينيات إلى الواجهة عبر إعادة مزجها ودمجها مع موسيقى معاصرة على يوتيوب وتيك توك وإنستغرام، إلى جانب أداء فلسطيني حي يخوض التقليد نفسه. الحنين هنا لا يعمل بمعزل عن الابتكار: التسجيلات القديمة لا تُعرض كأرشيف متحفي، بل تُعاد صياغتها لتصلح لإيقاع استهلاك مختلف كليا عن السهرة التي وُلدت فيها.

حين يشبه الزجل الراب

المقارنة التلقائية التي يعقدها المشاهدون بين الزجل ومبارزات الراب الارتجالية ليست خطأ سطحيا، بل تكشف عن بنية مشتركة أعمق: كلا الفنين يقوم على الارتجال الفوري تحت ضغط جمهور حي، وعلى قافية تُستخدم سلاحا لا زخرفة، وعلى قدرة الشاعر أو المغني على الرد السريع بما يُسقط خصمه لفظيا دون عنف حقيقي. الفارق الوحيد الجوهري هو اللغة والإيقاع الموسيقي، أما المنطق الداخلي للمبارزة فواحد تقريبا عبر قارات وقرون.

هذا التقارب هو ما يمنح الزجل فرصة نادرة: جمهور عالمي شاب اعتاد استهلاك مبارزات الكلام كترفيه، يجد نفسه فجأة أمام نسخة عربية أصيلة من الشكل نفسه، لا مستوردة ولا مقلَّدة، بل سابقة عليه بقرون.

الزجل لم يحتج يوما إلى مسرح رسمي ليعيش، فقد انتقل تاريخيا من الأندلس إلى الشام بلا كتاب مطبوع يحمله، معتمدا فقط على الذاكرة والصوت والمناسبة. أن يجد اليوم في شاشة هاتف صغيرة حلبته الجديدة ليس خيانة لجوهره، بل استمرارا منطقيا لفن لم يعرف يوما وسيلة نقل واحدة يتشبث بها، بل كان دوما يذهب حيث يجد أذنا تصغي، مهما كان شكل تلك الأذن.


قد يعجبك أيضاً

إعلام

أغنية من الحارة إلى العالم

نوع موسيقي وُلد في الأحياء الشعبية المصرية باسم "المهرجانات" امتد أثره إلى كل أرجاء الوطن العربي، متجاوزا استوديوهات التسجيل الرسمية إلى هواتف محمولة وبرامج مونتاج مجانية. قراءة في كيف صعدت موسيقى الشارع من هامش الصناعة الفنية إلى صدارتها دون إذن أحد.

اقرأ المزيد
حضارة

الهوية الهجينة

بين العربية والفرنسية والإنجليزية، يعيد جيل الشباب العربي تركيب هويته على الشاشة بدل أن يرثها جاهزة. قراءة في صعود الهوية الرقمية الهجينة وثمنها الطبقي الخفي.

اقرأ المزيد
علم وتقنية

زمن الرسالة الصوتية

لماذا يفضّل جيل عربي كامل تسجيل دقيقتين من الكلام على كتابة جملتين، وكيف تحولت الفجوة بين الفصحى والدارجة إلى وقود خفي لثورة الرسائل الصوتية.

اقرأ المزيد