شاب في حي شعبي بالقاهرة يسجل مقطعا غنائيا بميكروفون هاتفه داخل غرفته، يوزّعه بنفسه على برنامج مونتاج مجاني، وينشره على يوتيوب دون أي شركة إنتاج تقف خلفه. بعد أسابيع، تتردد كلماته في أعراس وحفلات على بعد مئات الكيلومترات من الحي الذي وُلدت فيه الأغنية. هذا المسار بات نمطا متكررا لنوع غنائي يُعرف باسم “المهرجانات”، الذي انتشر بشعبية طاغية في مصر وامتد أثره إلى جميع أرجاء الوطن العربي (سبوتنيك عربي, 2026)، متجاوزا في انتشاره حدود الطبقة الاجتماعية التي وُلد فيها أصلا.
صناعة بلا حراس بوابة
الفارق الجوهري بين هذا النوع الغنائي والموسيقى العربية التقليدية أنه نشأ خارج كل الهياكل المؤسسية المعتادة: لا شركة إنتاج توقّع العقود، ولا إذاعة تقرر ما يُبث، ولا لجنة فنية تحكم على “الذوق الرفيع”. الفنان هنا ينتج ويوزّع ويسوّق لنفسه بأدوات رقمية متاحة للجميع تقريبا، ما يعني أن معيار النجاح الوحيد أصبح انتشار الأغنية فعليا بين الناس، لا موافقة نخبة فنية أو إعلامية عليها مسبقا. هذا يقلب علاقة القوة التقليدية بين “الفن الرسمي” الذي تحرسه المؤسسات و”فن الشارع” الذي كان يُنظر إليه تاريخيا كهامش لا يستحق منصة جادة.
من وصمة اجتماعية إلى ملء استادات
لعقد كامل تقريبا، واجه هذا النوع الغنائي رفضا نخبويا واضحا: اتُّهم بالإسفاف اللفظي وبساطة الإيقاع وابتذال الموضوعات، ووُصف أحيانا بأنه “ليس فنا حقيقيا” في مقالات نقدية ونقاشات إعلامية متكررة. لكن هذا الرفض النخبوي لم يمنع انتشاره الجماهيري الهائل، بل ربما غذّاه: فكل رفض من “الذوق الرسمي” كان يعزز شرعيته كصوت أصيل للشارع الذي لا يحتاج موافقة أحد ليعبّر عن نفسه. اليوم، يشارك بعض نجوم هذا النوع في مهرجانات موسيقية كبرى وحفلات ضخمة، في انقلاب كامل على الموقع الذي بدأوا منه.
هوية طبقية تُسمع قبل أن تُرى
ما يميز هذه الموجة أيضا أنها كشفت بوضوح غير مسبوق عن فجوة طبقية وثقافية داخل المجتمعات العربية نفسها: جمهور يرى في هذه الموسيقى تعبيرا صادقا وحيويا عن واقع معاش، وجمهور آخر يراها انحدارا في الذوق العام يهدد “الهوية الموسيقية الأصيلة”. هذا الانقسام ليس نقاشا فنيا بحتا؛ إنه نقاش حول من يملك الحق في تعريف الفن الشرعي أصلا، ومن يُسمح له بأن يُسمع صوته على منصة عامة واسعة الانتشار.
يبقى السؤال معلقا فوق صناعة موسيقية بأكملها تعاد كتابة قواعدها: حين يصبح أي شخص يملك هاتفا قادرا على إنتاج أغنية تصل لملايين المستمعين دون حارس بوابة واحد يقف في طريقه، هل ما زلنا نستطيع الحديث عن “صناعة موسيقية” بالمعنى التقليدي المنظم، أم أن الحارة نفسها أصبحت الاستوديو الوحيد الذي يهم فعلا؟