على مساحة 69 ألف هكتار، تعادل ضعف مساحة القاهرة الحالية تقريبا، تُبنى منذ سنوات مدينة كاملة من الصفر: 21 حيا سكنيا، ومليون ومئة ألف وحدة سكنية مخططة، وقدرة استيعابية تصل إلى سبعة ملايين نسمة. هذه هي العاصمة الإدارية الجديدة، التي تبعد نحو 40 كيلومترا شرق القاهرة، والمصممة لتكون مدينة المستقبل التي تتنفس فيها مصر بعيدا عن اكتظاظ عاصمتها القديمة. وبينما تُشيّد هذه المدينة الطموحة حجرا حجرا، ترتفع إيجارات القاهرة القديمة بوتيرة لا تتوقف: ما بين 10% و15% في أوائل 2026 مقارنة بيناير 2025، مع توقعات باستمرار الارتفاع بين 8% و12% إضافية خلال العام المقبل (Sands of Wealth, 2026).
مدينتان تتباعدان بسرعتين مختلفتين
الفجوة تتضح أكثر عند النظر إلى الأحياء تحديدا: في السادس من أكتوبر، قفزت إيجارات الشقق بنسبة 17.6% خلال الربع الثالث من 2025 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفي القاهرة الجديدة ارتفعت بنسبة 16.9% خلال الفترة ذاتها (Sands of Wealth, 2026). هذان الحيان تحديدا هما اللذان يقعان على الممر الذي يربط القاهرة بالعاصمة الإدارية الجديدة عبر خط المونوريل، ما يعني أن الارتفاع ليس عشوائيا بل مرتبط مباشرة بالبنية التحتية الجديدة التي تجعل هذه المناطق أكثر جذبا للطبقات القادرة على الانتقال، بينما تُترك أحياء القاهرة القديمة الأقل ارتباطا بهذا الممر لتستوعب من لا يملك خيار الانتقال.
فائض في الوحدات وعجز في القدرة على الدفع
المفارقة الأعمق أن مصر لا تعاني نظريا من نقص في وحدات الإسكان: الأرقام الإجمالية تُظهر أن البلاد تنتج فعليا وحدات سكنية أكثر مما تحتاج رياضيا، لتترك ملايين المنازل شاغرة عبر البلاد. المشكلة إذن ليست في العرض بل في التوزيع والقدرة الشرائية: شريحة واسعة من سكان القاهرة تعيش في مساكن غير ملائمة، تفتقر أحيانا لتأمين حيازة قانونية مستقرة أو مياه شرب آمنة أو شبكة صرف صحي فعالة، بينما تُبنى على بعد كيلومترات قليلة وحدات فاخرة في مدينة جديدة لا يقدر على الانتقال إليها إلا من يملك بالفعل دخلا مرتفعا مستقرا.
من يبقى حين تكتمل المدينة الجديدة؟
في نهاية المطاف، يطرح هذا المشروع سؤالا أعمق من مجرد التخطيط العمراني: ماذا يحدث لمدينة قديمة حين تُبنى بديل كامل لها من الصفر على مسافة قريبة، مصمم خصيصا لمن يقدر على الانتقال إليه؟ العاصمة الإدارية الجديدة قد تنجح فعلا في تخفيف الازدحام وتقديم بنية تحتية حديثة لمن يسكنها، لكنها في الوقت نفسه تُسرّع انقساما اجتماعيا وجغرافيا واضحا: مدينة جديدة لامعة لمن يملك ثمن الانتقال، ومدينة قديمة متضخمة الإيجارات لمن لا يملك خيارا آخر سوى البقاء فيها.