قبل عقد واحد فقط، كانت القهوة العربية التقليدية - المرة، المقدمة في دلة نحاسية، المصحوبة بتمر - هي الشكل الوحيد المتعارف عليه لتقديم القهوة في أغلب المناسبات. اليوم، يمكن لزبون في حي العليا بالرياض أن يدفع ثلاثين ريالا أو أكثر مقابل فنجان قهوة “أحادي المصدر” حُمّص خصيصا لإبراز نكهات فاكهية دقيقة، يقدمه باريستا تلقى تدريبا متخصصا على طرق تحضير مختلفة. سوق القهوة السعودي يقدَّر اليوم بما بين 8 و10 مليارات ريال سنويا، تمثل القهوة المختصة منه ما بين 25% و30%، وتنمو بمعدل يتراوح بين 15% و20% سنويا، أي ضعف معدل نمو قطاع القهوة التقليدي تقريبا (Authority Coffee).
من أقل من ألف مقهى إلى خمسة آلاف وخمسمائة
سرعة هذا التوسع لافتة بأي مقياس: كانت المملكة تضم أقل من ألف مقهى قبل عقد من الزمن، بينما تتراوح التقديرات الحالية بين 4500 و5500 مقهى عبر البلاد، تستحوذ الرياض وحدها على نحو 40% منها. المدينة شهدت افتتاح ما بين 200 و300 مقهى جديد سنويا منذ 2022 (Perfect Daily Grind, 2025). هذا النمو لا يقتصر على عدد المحال، بل يمتد إلى ثقافة استهلاك كاملة: حبوب مصدرها معروف بالاسم لا فقط بالبلد، طرق تحضير متعددة يطلبها الزبون بدقة، وتقييم نكهة يشبه إلى حد بعيد ثقافة تذوق النبيذ.
فنجان يُشترى كتجربة لا كمشروب
جزء كبير من الإنفاق المرتفع على القهوة المختصة لا علاقة له فعليا بالكافيين أو حتى النكهة بقدر ما يتعلق بالتجربة المحيطة: مساحة مصممة بعناية لتصلح لصورة، جلسة عمل قصيرة على حاسوب محمول، لقاء اجتماعي غير رسمي يمتد لساعة كاملة. المقهى المتخصص تحول إلى مساحة “ثالثة” بين المنزل والعمل، يقصدها جمهور شاب - في مدينة يقل متوسط عمر سكانها عن 35 عاما - ليس بحثا عن قهوة أفضل فقط، بل عن مكان ينتمي إليه اجتماعيا خلال ساعات النهار.
هل يبقى السعر مبررا حين تخفت الموجة؟
يبقى السؤال الاقتصادي الأهم: هل يعكس سعر الفنجان المرتفع فعلا قيمة حقيقية مضافة - جودة حبوب أفضل، مهارة تحضير أعلى - أم أنه إلى حد كبير رسم دخول لتجربة اجتماعية واستهلاكية يدفع ثمنها جيل يريد الانتماء إلى نمط حياة عصري معين؟ مع دخول مئات المقاهي الجديدة إلى السوق كل عام، ستُختبر قريبا قدرة هذا القطاع على التمييز الحقيقي بين مقهى يقدم قيمة فعلية ومقهى يبيع فقط ديكورا جذابا وسعرا مرتفعا يبرره الزخم الاجتماعي وحده.