عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
حضارة

جزيرة لم تطأها قدم

Abderahmane Hellal · 13 يوليو 2026

صياد محلي كان يعبر بقاربه الصغير بين جزر متناثرة على ساحل البحر الأحمر منذ عقود دون أن يلتقي فيها بأحد سوى الطيور المهاجرة، يقف اليوم يشاهد طائرة خاصة تهبط بالقرب من نفس الشاطئ الذي كان يرسو فيه قاربه، تحمل ضيوفا قادمين للإقامة في منتجع بخمس نجوم يحمل اسم علامة عالمية. هذا التحول السريع حقيقي وموثق: يضم مشروع البحر الأحمر السعودي أكثر من 2700 وحدة فندقية في مرحلته الأولى، ترتفع إلى 8000 وحدة عند اكتمال المشروع بالكامل، موزعة على إحدى عشرة علامة فندقية عالمية فاخرة كإديشن وفور سيزونز وروزوود وسانت ريجيس (البحر الأحمر الدولية, 2026)، مع خطط لافتتاح 17 منتجعا جديدا بحلول 2026 وحده (الاقتصاد الإلكترونية, 2026).

استدامة كشرط تأسيس لا كإضافة لاحقة

ما يميز هذا المشروع عن نماذج التنمية السياحية التقليدية أن الاستدامة البيئية لم تُضَف لاحقا كتحسين تجميلي، بل صُممت كشرط تأسيسي منذ البداية: اعتماد كامل على الطاقة الشمسية لتشغيل الوجهة بأكملها، وهدف صريح لتحقيق الحياد الكربوني الصفري (البحر الأحمر الدولية, 2026). هذا يعني أن كل منتجع جديد يُبنى يخضع لقيود تصميم صارمة تحد من تأثيره على النظام البيئي المرجاني الحساس المحيط به، بعكس نماذج تنموية سابقة حول العالم بنت أولا وفكرت في الأثر البيئي لاحقا، غالبا بعد فوات الأوان.

رفاهية تُباع بندرة الوصول لا بوفرته

الاستراتيجية التسويقية لهذا المشروع تراهن على مفارقة مقصودة: كلما كانت الجزيرة أصعب وصولا وأكثر بكارة، ارتفعت قيمتها كوجهة فاخرة. هذا يقلب منطق السياحة الجماهيرية التقليدية التي تراهن على استقطاب أكبر عدد ممكن من الزوار؛ هنا، العدد المحدود من الوحدات الفندقية والوصول الحصري عبر طائرات خاصة أو مطار مخصص يصبح بحد ذاته جزءا من قيمة المنتج المُباع، لا عائقا أمام نجاحه التجاري.

سؤال من يملك حق الوصول للطبيعة البكر

خلف الصورة الجذابة لجزر لم تطأها قدم بشرية من قبل، يكمن سؤال أعمق حول من يحق له فعليا الوصول لهذه الطبيعة النادرة بعد تطويرها: أسعار الإقامة المرتفعة في منتجعات بهذا المستوى تجعل هذه الجزر، التي كانت يوما مشاعا طبيعيا مفتوحا نظريا للجميع، حكرا عمليا على شريحة ضيقة قادرة على تحمل تكلفة الوصول إليها. الطبيعة نفسها لم تتغير، لكن العلاقة بها تحولت من مساحة مفتوحة إلى تجربة مدفوعة الثمن بدقة.

يبقى السؤال معلقا فوق هذا النموذج التنموي الطموح: هل يمثل الجمع بين الفخامة القصوى والاستدامة البيئية الصارمة نموذجا يمكن تكراره فعليا في مناطق أخرى من العالم تفتقر لهذا المستوى من الاستثمار السيادي، أم أنه يبقى استثناء مكلفا لا يمكن تعميمه إلا حيث تتوفر ميزانيات ضخمة نادرا ما تتكرر؟


قد يعجبك أيضاً

علم وتقنية

سيارة بلا صوت محرك

بلغت مبيعات المركبات الكهربائية في الشرق الأوسط نحو 75 ألف سيارة عام 2025 بنمو تجاوز 40% سنويا، واستحوذت الإمارات وحدها على نصف هذه المبيعات إقليميا. قراءة في كيف تتغير علاقة السائق الخليجي بسيارته في منطقة بُني اقتصادها تاريخيا على النفط الذي تحاول سياراتها الجديدة الاستغناء عنه.

اقرأ المزيد
حضارة

ملكات الرمال

45 يوما، 40 ألف جمل، وجوائز تتجاوز 80 مليون دولار: مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل يحوّل رمال الرياض إلى أضخم منصة تجميل حيوانية في العالم. قراءة في اقتصاد جمال الجمال وثمنه حين يتحول الحكم الجمالي إلى سلعة تُشترى وتُزوَّر.

اقرأ المزيد
حضارة

صقر بثمن سيارة

16 ألف صقر يملكها هواة الصيد في السعودية وحدها، وجوائز مهرجان الملك عبدالعزيز للصقور تتجاوز 10 ملايين دولار. قراءة في كيف تحولت هواية الصيد بالصقور من تراث بدوي متوارث إلى صناعة سياحية واستثمارية عالمية.

اقرأ المزيد