صقر واحد مدرَّب جيدا قد يُباع بمبلغ يوازي ثمن سيارة فاخرة، ليس لجماله فقط بل لسرعته ودقته في الصيد ونسبه المدروس بعناية عبر أجيال من التربية الانتقائية. هذا التقليد، الذي مارسه البدو في الجزيرة العربية منذ أكثر من ألفي عام كوسيلة صيد أساسية، تحول اليوم إلى صناعة تراثية وسياحية متكاملة تديرها مؤسسات رسمية بميزانيات ضخمة. مهرجان الملك عبدالعزيز للصقور، أكبر تجمع صقور وصقارين في العالم وحائز على ثلاثة أرقام قياسية في موسوعة غينيس لعدد الطيور المشاركة، استضاف في نسخته 2025-2026 صقارين من تسع دول، وقدّم 139 جولة تنافسية موزعة على أكثر من ألف جائزة بقيمة إجمالية تتجاوز 38 مليون ريال، أي نحو عشرة ملايين دولار (SFC, 2026).
عشرون ألف صقار وستة عشر ألف صقر في مملكة واحدة
حجم هذا النشاط في السعودية وحدها لافت: يقدَّر عدد الصقور المملوكة من هواة الصيد بنحو 16 ألف طائر، يديرها ويرعاها نحو عشرين ألف صقار مسجل. هذا الرقم يعكس أن الصقارة لم تعد هواية نخبوية محدودة، بل صناعة كاملة تشمل تدريبا متخصصا، ورعاية بيطرية دقيقة، وأسواقا لبيع وشراء الطيور، إضافة إلى فعاليات ومسابقات متعددة على مدار العام تستقطب مشاركين من داخل المملكة وخارجها.
من الصحراء إلى مستشفى الصقور الأكبر في العالم
الإمارات بدورها استثمرت بعمق في هذا التراث: مستشفى الصقور بأبوظبي، الأكبر والأكثر تطورا من نوعه عالميا، لا يكتفي بتقديم رعاية طبية متخصصة للطيور، بل يضم متحفا وجولات إرشادية تتيح للسائح الأجنبي التعرف على هذا التقليد العريق عن قرب. الفئات الجديدة التي أُضيفت لمهرجانات الصقارة السعودية مؤخرا - من سباق “النوفا” إلى سباق الصقور المنغولية وحتى فئة نسائية أُدرجت لأول مرة - تعكس مسعى واضحا لتوسيع قاعدة المشاركة والجمهور، بما يتجاوز الصورة النمطية للصقارة كنشاط ذكوري بدوي محض.
تراث يُدار كأصل استراتيجي لا فقط كذكرى جميلة
ما يميز الصقارة عن كثير من التقاليد الثقافية الأخرى في المنطقة أنها لم تبقَ حبيسة الماضي كرمز نوستالجي فحسب، بل أعيد توظيفها بذكاء كأصل اقتصادي وسياحي حقيقي ضمن استراتيجيات التنويع الاقتصادي الخليجية. السؤال المطروح الآن هو ما إذا كان هذا التحويل التجاري والسياحي المتسارع سيحافظ على الروح الأصيلة للعلاقة التاريخية بين الصقار وطائره - علاقة صبر وتدريب واحترام متبادل امتدت لقرون - أم أن الضغط لتوسيع الجمهور وزيادة الجوائز سيحوّلها تدريجيا إلى مجرد عرض استعراضي آخر ضمن تقويم سياحي مزدحم بالفعاليات.