لعقود، كانت جملة “قسمة ونصيب” تختصر قصة كل زواج عربي تقريبا: لقاء عابر في مناسبة عائلية، أو وساطة من قريبة، أو صدفة لا يد للفرد فيها. اليوم، يبدأ أكثر من 40% من حالات الزواج الجديدة في المنطقة العربية من مكان مختلف تماما: تطبيق على الهاتف يعرض ملفات شخصية مرتبة حسب تفضيلات محددة مسبقا (إحصائيات الزواج والطلاق في الدول العربية, 2026). القسمة والنصيب لم تختفِ، لكنها استُبدلت بخوارزمية ترتب الاحتمالات وتقترح الشريك المناسب بناء على بيانات لا على حدس عائلي.
من الوسيط البشري إلى الوسيط الرقمي
الوظيفة التي كانت تؤديها الجدة أو الخالة أو صديق العائلة - مطابقة الأشخاص المناسبين لبعضهم - انتقلت إلى خوارزمية لا تعرف الشخصين، بل تعرف فقط بيانات أدخلاها عن أنفسهما: العمر، المستوى التعليمي، التفضيلات الدينية، الطموحات المهنية. هذا التحول ليس مجرد تغيير في الوسيلة، بل في طبيعة العلاقة نفسها. الوساطة العائلية كانت تحمل ضمانا اجتماعيا ضمنيا: من يُقدّم المرشح يعرفه ويتحمل جزءا من المسؤولية عن جودة الاختيار. أما التطبيق، فلا يتحمل شيئا؛ هو منصة تعرض احتمالات وتترك المخاطرة كاملة على الطرفين.
هذا لا يعني أن النتائج بالضرورة أسوأ، فالتطبيقات فتحت الباب أمام فئات كانت تجد صعوبة في الوصول إلى شريك عبر القنوات التقليدية: المقيمون خارج بلدانهم، من تجاوزوا السن “المثالي” اجتماعيا للزواج، أو من يبحثون عن توافق فكري أدق مما تتيحه المصادفة العائلية. لكنها أيضا نقلت عبء التحقق والحذر بالكامل إلى الفرد، في بيئة رقمية لم تُبنَ أصلا بمعايير أمان كافية لهذا النوع من العلاقات الحساسة.
الثمن الخفي: الخصوصية والمضايقة
خلف واجهة الملفات الشخصية الأنيقة، تكشف الأرقام مشكلة أعمق. نحو 80% من تطبيقات التعارف تشارك بيانات مستخدميها مع أطراف ثالثة أو تبيعها، وكثير منها لا يضمن حق حذف هذه البيانات بشكل كامل حتى بعد إغلاق الحساب (تقرير إحصائي, 2026). والأخطر أن 56% من النساء دون الخمسين على هذه المنصات تلقين رسائل أو صورا جنسية صريحة لم يطلبنها، فيما أبلغت 57% منهن عن تعرضهن لمضايقات مباشرة (المرجع نفسه, 2026). في مجتمعات لا تزال المرأة فيها تتحمل عبئا مضاعفا من الحكم الاجتماعي، تصبح هذه المخاطر أثقل: التعرض للمضايقة على المنصة يقابله تحفظ اجتماعي على أصل استخدامها.
زواج بسرعة النقر، وطلاق بالسرعة نفسها
المفارقة أن سهولة الوصول إلى الشريك عبر التطبيق تقابلها هشاشة في استمرار العلاقة بعد الزواج. تشير بعض الإحصائيات إلى أن معدلات الطلاق في دول عربية عدة قد تصل إلى حالة طلاق واحدة مقابل كل ثلاث حالات زواج سنويا، مع تركّز 40% من هذه الحالات في السنة الأولى فقط (إحصائيات الزواج والطلاق, 2026). هذا لا يعني بالضرورة أن التطبيقات هي السبب المباشر، لكنه يفتح سؤالا مشروعا: حين تُختصر عملية اختيار شريك العمر في تصفح ملفات وتبادل رسائل سريعة، هل يحصل الطرفان على الوقت الكافي لمعرفة بعضهما بعمق يوازي قرارا بهذا الحجم؟ الخوارزمية بارعة في تقريب الناس من بعضهم، لكنها لا تملك إجابة عن السؤال الأصعب: كيف يبقون معا بعد أن يلتقوا.