عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
حضارة

خيوط لم تُنسَ

Abderahmane Hellal · 13 يوليو 2026

جدة تجلس أمام نول خشبي بسيط تُمرر خيوط الصوف الملونة بين أصابعها بحركة تتقنها منذ خمسين عاما، بينما تصورها حفيدتها بهاتفها لتنشر المقطع لاحقا تحت وسم يتحدث عن “التراث العصري”. هذا المشهد الذي كان يبدو قبل سنوات قليلة أشبه بلقطة أرشيفية توثق حرفة تحتضر، تحول إلى نقطة انطلاق فعلية: أطلق المعهد الملكي للفنون التقليدية في السعودية أول برنامج تلمذة من نوعه على مستوى المملكة، يشمل في مرحلته الأولى حرفتي النسيج التقليدي “السدو” والبناء التقليدي بالطين، بهدف نقل المعرفة النظرية والخبرة العملية وإعادة إحياء هذه الفنون قبل أن تندثر مع رحيل آخر من يتقنها (وكالة الأنباء السعودية, 2026).

من إرث بدوي إلى مادة تصميم

فن السدو تحديدا لم يكن يوما زخرفة جمالية بحتة، بل كان لغة عملية للبدو الرحّل: خيوط الصوف المنسوجة كانت تصنع بيوت الشعر وفرشها ووسائدها، بأنماط هندسية تحمل رموزا قبلية ومعاني اجتماعية دقيقة. اليوم، بدأت علامات تجارية ومصممون بإعادة توظيف هذا الفن ودمجه في الديكور الداخلي والأزياء والإكسسوارات، بل وحتى في التصميم الرقمي (صناع الأزياء, 2026). هذا الانتقال من وظيفة عملية بحتة إلى مادة تصميم عصرية يعيد تعريف علاقة الحرفة بزمنها: لم تعد أداة بقاء يومي، بل أصبحت رمزا هوياتيا يُختار بوعي.

الجامعات تدخل ورشة الحرفي

ما يميز هذه الموجة أنها لا تعتمد فقط على الحرفيين التقليديين، بل بدأت جامعات ومعاهد متخصصة في التصميم بتبني برامج تدريبية تدمج تقنيات السدو الأصيلة مع أساليب عصرية في الموضة والفنون التطبيقية. هذا الدمج بين المعرفة الشفهية المتوارثة والتعليم الأكاديمي المنهجي يخلق جيلا هجينا من الحرفيين: من تعلّم النول من جدته لكنه يفهم أيضا لغة السوق العالمية ومعايير التصميم الحديث، وهو مزيج نادر الحدوث في حرف تقليدية أخرى اندثرت لغياب هذا الجسر بالضبط.

هوية تُختار لا تُورث فقط

اللافت في هذه العودة أنها لا تأتي من كبار السن الذين عاشوا زمن الحرفة الأصلي، بل غالبا من جيل شاب لم يعش تلك الحياة البدوية إطلاقا، ويقترب من الحرفة كباحث عن هوية بصرية مميزة وسط عالم رقمي متجانس المظهر. هذا يقلب المعادلة التقليدية للحفاظ على التراث: لم تعد الحرفة تُورث بالضرورة عبر استمرار نمط الحياة الذي أنتجها، بل تُستعاد بقرار واعٍ من جيل يبحث عمدا عمّا يميزه عن نظرائه في أي مكان آخر من العالم.

يبقى السؤال قائما: حين تنتقل حرفة السدو من خيمة بدوية إلى معرض تصميم عصري، هل ما زلنا نتحدث عن الحفاظ على نفس الحرفة، أم أننا في الحقيقة نصنع منها شيئا جديدا تماما يستعير اسمها وتقنيتها لكنه يخدم غاية مختلفة كليا عن الغاية التي وُلدت من أجلها أصلا؟


قد يعجبك أيضاً

حضارة

ملكات الرمال

45 يوما، 40 ألف جمل، وجوائز تتجاوز 80 مليون دولار: مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل يحوّل رمال الرياض إلى أضخم منصة تجميل حيوانية في العالم. قراءة في اقتصاد جمال الجمال وثمنه حين يتحول الحكم الجمالي إلى سلعة تُشترى وتُزوَّر.

اقرأ المزيد
حضارة

صقر بثمن سيارة

16 ألف صقر يملكها هواة الصيد في السعودية وحدها، وجوائز مهرجان الملك عبدالعزيز للصقور تتجاوز 10 ملايين دولار. قراءة في كيف تحولت هواية الصيد بالصقور من تراث بدوي متوارث إلى صناعة سياحية واستثمارية عالمية.

اقرأ المزيد
حضارة

حليب لا يشبه الحليب

إنتاجية الناقة الواحدة من الحليب في السعودية ارتفعت من 2.5 لتر يوميا إلى 10.5 لتر خلال ثلاث سنوات، بدعم مصنع "سواني" التابع لصندوق الاستثمارات العامة بقدرة شهرية تقارب 500 ألف لتر. قراءة في كيف تحول حليب الإبل من مشروب بدوي تقليدي إلى سلعة استثمارية بمواصفات صناعية.

اقرأ المزيد