بدوي عجوز يتذكر أيام كان فيها حليب ناقته الواحدة بالكاد يكفي عائلته الصغيرة، يقف اليوم أمام واجهة عرض في متجر كبير يبيع علبا مبردة من حليب الإبل بتغليف أنيق يحمل شعار مصنع صناعي ضخم. هذا التحول ليس مجازيا: ارتفع متوسط إنتاج الناقة الواحدة من الحليب في السعودية من نحو 2.5 لتر يوميا إلى 10.5 لتر حاليا، أي بزيادة تقارب 320% خلال ثلاث سنوات فقط، بفضل استثمار في الأبحاث واختيار أفضل السلالات (هيد توبيكس, 2026). ويقود هذا التحول مصنع “سواني” التابع لصندوق الاستثمارات العامة، بقدرة إنتاجية شهرية تصل إلى نحو 500 ألف لتر من الحليب (الشرق الأوسط, 2026).
من قطيع عائلي إلى سلسلة توريد صناعية
الفارق الجوهري بين حليب الإبل التقليدي وهذا النموذج الجديد ليس في المنتج النهائي فحسب، بل في البنية الكاملة خلفه: من رعاية بدوية فردية تعتمد على معرفة موروثة شفهيا، إلى منظومة زراعية صناعية تشمل تحسين سلالات وراثيا، ورقابة بيطرية دورية، وخطوط تعبئة وتبريد بمعايير غذائية عالمية. هذا يعني أن الناقة نفسها، التي كانت رمزا للبقاء الذاتي في البادية، أصبحت اليوم وحدة إنتاج تُقاس كفاءتها بلترات الحليب اليومية مثلها مثل أي رأس ماشية في مزرعة ألبان صناعية حديثة.
سوق عالمي يتجاوز حدود المنطقة
هذا الاستثمار لا يستهدف السوق المحلية فقط؛ فحجم سوق منتجات حليب الإبل عالميا بلغ 11.48 مليار دولار عام 2025، ومن المتوقع أن يصل إلى نحو 17.45 مليار دولار بحلول 2030 بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 8.74% (تقارير الصناعة الغذائية العالمية, 2026). حليب الإبل يُسوَّق عالميا كبديل صحي يحتوي دهونا أقل ونسبة أعلى من فيتامين سي مقارنة بحليب الأبقار التقليدي، ما يجعله منتجا يستهدف شريحة مستهلكين تبحث عن بدائل غذائية “طبيعية” و”أصيلة”، رغم أن العملية الصناعية خلفه أصبحت بعيدة كل البعد عن الصورة الرومانسية التي يُسوَّق بها.
هوية تُباع كقيمة مضافة
المفارقة أن جاذبية هذا المنتج التسويقية تعتمد جزئيا على ربطه بصورة “الإبل والبادية والتراث”، حتى وهو يُنتج داخل مصنع بمعايير صناعية حديثة لا تشبه خيمة بدوية بأي شكل. هذه القصة الثقافية تُباع كقيمة مضافة حقيقية تميّز المنتج عن منافسيه العالميين، لكنها تكشف أيضا كيف يمكن للتراث أن يتحول إلى أداة تسويقية فعّالة، حتى حين تكون العملية الإنتاجية الفعلية خلفه أقرب لخط إنتاج ألبان أوروبي منها لأي ممارسة بدوية تقليدية.
يبقى السؤال قائما: حين يصبح حليب الإبل منتجا صناعيا يُصدَّر بعلامة تجارية عالمية، هل ما زلنا نتحدث عن نفس “الحليب” الذي عرفته أجيال من البدو كغذاء يومي بسيط، أم أننا نبيع اليوم قصة عن ذلك الحليب أكثر مما نبيع الحليب نفسه؟