عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
أدب

ستفوتك معظم الأشياء وهذا جيد

Abderahmane Hellal · 27 يونيو 2026

في عام 2011، نشرت الكاتبة والناقدة الثقافية ليندا هولمز مقالا قصيرا بعنوان “الحقيقة الحزينة الجميلة بأننا سنفوت كل شيء تقريبا” (NPR, Linda Holmes, 2011)، ولم يكن يبدو وهلة أولى كأكثر من ملاحظة عابرة. لكنه لامس شيئا يُقلق كثيرا من المثقفين دون أن يُسمّوه: مهما قرأنا، مهما شاهدنا، مهما بذلنا من وقت وجهد، فإن ما سنصله من الإنتاج الإنساني لن يتجاوز جزءا صغيرا جدا من جزء صغير. هذا ليس إحباطا شخصيا؛ هذه رياضيات. والسؤال الحقيقي ليس كيف نقرأ أكثر، بل كيف نعيش مع هذه الحقيقة دون أن تتحوّل إلى قلق مُزمن.

الحساب الذي لا يُفنَّد

هولمز تُقدّم الأرقام ببساطة: إذا قرأت كتابا كل أسبوع طوال حياتك وعشت ثمانين عاما، ستقرأ تقريبا أربعة آلاف كتاب. في اللغة الإنجليزية وحدها، يُنشر ما يقارب مليون كتاب جديد كل عام. أي أن ما تقرأه في حياتك كلها يُمثّل أقل من نصف يوم من إنتاج سنة واحدة، في لغة واحدة، والكتب وحدها. الأفلام، الموسيقى، المقالات، الأعمال الفنية، الأداءات المسرحية، البودكاست، كل هذا يتضاعف سنويا بمعدلات لا تتناسب مع معدل استهلاك أي إنسان بشري.

الخلاصة: ستفوتك نسبة تقترب من 100% مما أنتجته البشرية ويُنتجه معاصروك في حياتك. هذه ليست مسألة كسل أو تقصير، بل مسألة وقت فيزيائي محدود في مواجهة إنتاج متسارع. لا حيلة فيها ولا علاج.

استراتيجيتان لا ثالث لهما

هولمز تُميّز بين طريقتين متاحتين في التعامل مع هذه الحقيقة، وتُسمّيهما بصراحة غير مريحة.

الأولى: “التقليص” (culling)، وهي الادعاء بأن ما لا تستطيع الوصول إليه ليس يستحق الوصول أصلا. بناء حدود ذوق صارمة تُريحك من وطأة ما يفوتك بتقليل أهميته مسبقا. “لا أقرأ الروايات الشعبية”، “لا أُشاهد الأفلام التجارية”، “لا أهتم بهذا الجنس الأدبي”. هذه الاستراتيجية فعالة نفسيا في تقليل القلق، لكنها غير صادقة: كثير مما نستبعده لا نستبعده لأنه أُثبت أنه أقل قيمة، بل لأن استيعابه الإضافي مُكلف نفسيا ويزيد إحساسنا بأننا خلف ما يجب.

الثانية: “التسليم” (surrendering)، وهي قبول حقيقة أن كثيرا جدا مما يستحق القراءة والمشاهدة والسماع لن تصل إليه، والتعايش مع هذه الحقيقة بدلا من الهروب منها. التسليم لا يعني التخلي عن الانتقائية، بل إدراك أن انتقائيتك تترتب على حدودك الفعلية لا على حكمك المُسبق على ما تتخلى عنه. التسليم يُتيح الانفتاح على ما تصله بفرح لا بقلق، وربما بمفاجأة، لأنك لم تُحصّن نفسك مسبقا ضد فئات بأكملها.

هولمز تفضّل التسليم، لكنها تعترف بأنه أصعب نفسيا في بيئة تُكافئ معرفة “كل شيء”.

العلم النافع وثقل الوقت

التراث الإسلامي لا يُعالج هذه المسألة بالمصطلح الحديث لكنه يعرف ثقلها. مفهوم “العلم النافع” أحد المحاور في الدعاء النبوي المأثور: “اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع”. الصيغة تفترض ضمنا أن العلم ليس كله نافعا، وأن الوقت محدود بما يجعل اختيار ما يُعلَّم أهم من كثرة ما يُعلَّم. هذا الإطار يُشبه ما تقترحه هولمز بالتسليم: لا تُقلّص بادعاء أن ما لا يصلك أقل قيمة، بل اختر ما يصلك باعتبار ما ينفعك، وارتح مما فاتك دون قلق.

غير أن الإطار الإسلامي يُضيف بُعدا لا تتضمنه هولمز: النفع الذي يُقدَّر ليس فقط ما تُحبّه أو ما يُثري حياتك الشخصية، بل ما يجعلك أكثر قدرة على خدمة ما حولك. هذا يُضيّق دائرة الاختيار لكنه يُوفّر معيارا أوضح من مجرد التفضيل الذاتي. الكتاب الذي يجعلك أفضل فهما لعملك أو أعمق رحمة في علاقاتك أو أصحّ تفكيرا في قراراتك، هو أولى من الكتاب الذي يُنتج فقط إحساسا بالإنجاز الثقافي.

الحديث النبوي “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ” يُشير إلى أن الوقت الحر نعمة قليلا ما يُعرف قدرها. هولمز تُشير من الجهة المقابلة: الوقت الحر نادر ومحدود، فلا تُضيّقه بقلق مما يفوتك مما لا يمكن أصلا أن يصلك.

القلق الثقافي من الفوات

في السياق الرقمي الحديث، يُضاف إلى هذه المعادلة ضغط جديد: الشعور بأن ما يفوتك ليس مجرد كتب وأفلام، بل محادثات وأحداث وتطورات تُعيد تشكيل العالم في الوقت الحقيقي. الخوارزميات تُضخّم هذا الشعور بتصميم يجعلك ترى ما يُثير التفاعل لا ما يستحق الوقت. النتيجة نوع من القلق المُزمن من الفوات لا يُريح منه حتى التصفح المستمر، لأن التصفح نفسه يُنتج المزيد مما يمكن تفويته.

هذا يتصل بما طرحناه في مقال هذا هو الماء: الإعداد الافتراضي للعقل يُحيل الانتباه نحو ما هو ظاهر ومتاح وسهل الاستهلاك. في بيئة تُصمَّم لإبقائك مشغولا، “التسليم” الذي تُقترحه هولمز يستلزم جهدا إضافيا: أن تختار بوعي مستقل عن الضغط الخارجي، وأن تقبل غياب ما اخترته عن قوائم ما يجب أن تعرفه.

المعيار الحقيقي

ما تُقدّمه هولمز باعتباره “تسليما” هو في جوهره تحرر من مرجعية خارجية: بدلا من أن تقيس نفسك بما فاتك، تقيسها بما فعلته بما وصلك. هذا التحوّل في المرجعية من الخارج إلى الداخل ليس سهلا في بيئة تُقدّم الثقافة كسباق مع قائمة لا نهاية لها.

الجواب العملي المُمكن ليس إيجاد طريقة لقراءة أكثر أو مشاهدة أسرع. هو قبول أن كل كتاب تختاره قرار إيجابي يصطحب معه حتما قرارا سلبيا بترك آلاف الكتب الأخرى. والكاتب الذي قرأته بعمق أنفع لك من اثني عشر كتابا قرأتها بتوتر من أن آخرين قرأوا ما لم تقرأه بعد. في النهاية، السمكة التي تعرف أنها في الماء تختار أين تسبح بدلا من أن تسبح في كل اتجاه.


قد يعجبك أيضاً

فلسفة

الفراغ باعتباره مقاومة

مارك سلوكا يجادل في Harper's بأن الانشغال المستمر ليس مصادفة بل فرض إيديولوجي، لأن الإنسان المنشغل لا يُفكّر ولا يُقاوم. ما الذي يعنيه هذا للفراغ في الإسلام وفي حياتنا اليوم؟

اقرأ المزيد
أدب

كتاب يُقرأ بالأذن

منصة كتاب سوتيل الشرق أوسطية سجلت نموا بنسبة 67% في مشتركيها خلال عام واحد بفضل توسيع مكتبتها العربية. قراءة في صعود الكتاب المسموع العربي، وكيف وجد جيل لا يقرأ الورق طريقة جديدة للعودة إلى القصص.

اقرأ المزيد
أدب

أبطالنا مستعارون

منصات الدبلجة العربية تُطلق مواسم الأنمي بالتزامن مع اليابان، وجيل كامل ينشأ على أبطال رُسموا في طوكيو ونُطقوا بالعربية. قراءة في ازدهار الأنمي المدبلج وسؤال الهوية الذي يطرحه بهدوء.

اقرأ المزيد