عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
أدب

لماذا نكتب

Abderahmane Hellal · 19 يونيو 2026

في عام ١٩٤٦، بعد سنوات من الحرب والمنفى الداخلي الذي عاشه كل كاتب أوروبي عاصر صعود الفاشية، نشر جورج أورويل مقالا قصيرا بعنوان “لماذا أكتب” (Orwell.ru, 1946). لم يكن المقال دفاعا عن الأدب بالمعنى الذي تعودنا عليه، بل اعترافا بارد الدرجة بدوافع لا يحب الكتاب الاعتراف بها أمام أنفسهم. يقول أورويل إنه عرف، منذ سن السادسة أو السابعة، أنه سيصبح كاتبا، وإن الوحدة التي عاشها طفلا بين أخوات أصغر وأكبر منه دفعته إلى عادة اختراع قصص داخلية لم يكن يحتاج فيها إلى أحد سواه. هذا الاعتراف المبكر يحمل فكرة أعمق من السيرة الذاتية: دافع الكتابة يتشكل قبل أن يمتلك الكاتب أي وعي بأسلوبه أو موضوعه، وفهم هذا الدافع، لا تحليل النص فقط، هو ما يفسر لماذا يكتب كاتب ما بطريقة معينة دون غيرها.

الغرور باعتباره وقودا لا عيبا

أول الدوافع التي يعدها أورويل هو الغرور الصرف: الرغبة في أن يُتحدث عنك بعد موتك، أن يُذكر اسمك في موضع لم يصل إليه من أهانوك في صغرك. يلاحظ أورويل أن هذا الدافع يشترك فيه الكتاب مع العلماء ورجال المال وحتى رجال الدين، أي مع ما يسميه بسخرية لا تخلو من تواضع شخصي “الطبقة العليا من النوع البشري”. ما يميز هذا الاعتراف عن أدبيات النصح المعتادة هو أنه لا يطلب من الكاتب أن يتخلى عن غروره باسم نزاهة مزعومة، بل يطلب منه أن يعرف حجمه الحقيقي وسط الدوافع الأخرى. كاتب يخفي غروره عن نفسه أكثر عرضة لأن يصوغه في قناع من تواضع مصطنع، وهو قناع يكتشفه القارئ في أول صفحتين.

هذه الرغبة في أن يُذكر الاسم ليست بعيدة عن الدافع الذي تبنيه الأمم حين تحتفظ بأرشيفاتها ووثائقها، خوفا من أن يُمحى ما حدث فعلا، كما تناولنا في مقال دفاتر الذاكرة على هذا الموقع. الفرد الذي يكتب ليُذكر، والدولة التي توثق لتُذكر، يتحركان بدافع واحد على مستويين مختلفين: كلاهما يقاوم نسيانا يعرف أنه قادم لا محالة.

الجمال الذي لا يبرر نفسه دائما

الدافع الثاني هو الحماسة الجمالية، الانتباه إلى صوت الكلمة وترتيبها ووزن الجملة، بصرف النظر عن أي فائدة عملية لذلك الانتباه. يلاحظ أورويل أن حتى الكتابة التقنية البحتة، كتقرير علمي أو دليل استخدام، تحمل قرارات جمالية صغيرة لا يخلو منها نص بشري: اختيار كلمة على أخرى متقاربة المعنى، تفضيل جملة قصيرة على أخرى طويلة لإحساس بالنبرة لا الوضوح وحده. هذا الانتباه يكشف أصله الإنساني، لأن النص المولّد بلا حساسية جمالية يميل إلى تكرار القالب نفسه، بينما يتسلل التذوق البشري عبر اختيارات لا تُفسَّر بالضرورة منطقيا.

غير أن الجمال بمفرده فقير. نص متقن الصياغة لكنه خال من فكرة حقيقية يشبه واجهة مبنى جميلة بلا غرف خلفها. التراث العربي القديم يقدم مثالا واضحا على هذا الفرق: الجاحظ لم يكن يكتب بلاغة مجردة، بل كان يستخدم رشاقة الجملة لخدمة وصف دقيق للمجتمع من حوله، فصارت الصياغة وسيلة لا غاية. الحماسة الجمالية تصبح مفيدة حين تخدم دافعا آخر، تاريخيا أو سياسيا، فتمنحه شكلا يستحق أن يُقرأ مرتين. أما حين تُترك بلا اتجاه، فإنها تتحول إلى زخرفة تُتعب القارئ دون أن تضيف له شيئا يستحق الاحتفاظ به.

ما الذي نخشى أن يضيع إن لم نكتبه؟

الدافع الثالث، والأقرب إلى مزاج هذا الموقع، هو ما يسميه أورويل “الدافع التاريخي”: الرغبة في رؤية الأشياء كما هي، واستخراج الحقائق الفعلية وحفظها لمن يأتي بعدنا. هذا الدافع لا يحتاج خيالا واسعا بقدر ما يحتاج صبرا على التفاصيل التي يهرب منها الباحثون عن الأثر السريع. التاريخ يصنعه من يكتب الحاشية، لا من يكتب العنوان الرنان فقط.

ابن خلدون نفسه، حين دوّن مقدمته، لم يكن يحاول إقناع القارئ بشيء بقدر ما كان يسجل آلية تعاقب الدول كما رآها تتكرر أمامه، تسجيلا يشبه عمل المؤرشف أكثر من عمل الخطيب. لم يكن مهتما بتجميل العصبية أو الدولة التي درس انهيارها، بل بوصف الآلية نفسها بدقة كافية تسمح لقارئ بعده، في قرن آخر وبلاد أخرى، أن يتعرف على النمط حين يراه يتكرر من جديد. هذه هي المنفعة الحقيقية للدافع التاريخي: لا تمجيد الماضي، بل صناعة أداة قراءة للمستقبل.

والمجتمعات التي تفرط في هذا الدافع، فتترك تدوين وقائعها لمن يملك مصلحة في تشويهها، تجد نفسها بعد عقدين أو ثلاثة تتعامل مع تاريخها كأسطورة لا كسجل، فتعيد ارتكاب الخطأ نفسه لأنها لم تحتفظ بوصف دقيق لما حدث أول مرة. الفجوة بين الأمة التي تراجع سجلها بصدق والأمة التي تستبدله بروايات مريحة ليست فجوة معرفية فقط، بل فجوة في القدرة على التعلم من نفسها.

السياسة لا تغادر النص حتى عندما يتجاهلها الكاتب

الدافع الرابع، والأكثر إثارة للجدل، هو الغرض السياسي بمعناه الواسع: الرغبة في دفع العالم في اتجاه معين، في تغيير فكرة الناس عن المجتمع الذي ينبغي أن يعيشوا فيه. يذهب أورويل إلى حد القول إن لا كتاب خاليا تماما من التحيز السياسي، وإن الرأي القائل بأن الفن ينبغي أن يبتعد عن السياسة هو نفسه موقف سياسي، لأنه يرضى ضمنا بالوضع القائم بدل أن يسأل عنه.

ما يجعل موقف أورويل أكثر إقناعا من شعارات الالتزام المعتادة هو أنه لا يطلب التضحية بالجودة الأدبية باسم القضية. عبارته الأشهر، أن النثر الجيد يشبه نافذة من الزجاج، تختصر الفكرة كلها: الزجاج لا يلفت النظر إلى نفسه، وظيفته أن يدع الضوء يعبر بلا تشويه. الكاتب السياسي الجيد يستخدم اللغة لتوضيح ما يراه، لا لتجميل ما يريد أن يفرضه. الفارق بين هذا وبين الدعاية ليس في وجود الغرض السياسي أو غيابه، بل في استعداد الكاتب لأن يصف ما يخالف رغبته إذا كان صحيحا.

تجربة أورويل في الحرب الأهلية الإسبانية، حيث شهد بعينه كيف تُعاد كتابة الوقائع لخدمة رواية حزب معين بعد أيام قليلة من حدوثها، هي ما حسم هذا الموقف عنده. لم يصبح كاتبا سياسيا لأنه اقتنع بفكرة، بل لأنه رأى كيف يُصنع الكذب التاريخي في الزمن الحقيقي، فقرر أن مهمته منذ تلك اللحظة هي مقاومة هذا الصنع، لا تجاهله باسم الأدب الخالص.

معرفة الدافع قبل تحسين الأداء

القيمة الحقيقية في تشخيص أورويل ليست في الترتيب الذي اقترحه لهذه الدوافع الأربعة، بل في رفضه أن يختار واحدا منها ويتنكر للباقي. الكاتب الذي يدعي أنه يكتب من أجل الفن الخالص يخفي غروره وسياسته خلف يافطة جميلة. والكاتب الذي يدعي أنه يكتب من أجل القضية وحدها غالبا ما يخفي عجزا جماليا يبرره بدعوى الزهد في الشكل. الصدق هنا لا يعني الاعتدال بين الدوافع، بل معرفة أيها يقود فعلا في لحظة معينة، والقدرة على قول ذلك بصراحة.

هذا السؤال يكتسب وزنا جديدا في زمن يمكن فيه إنتاج نص متماسك دون أي دافع من هذه الأربعة: لا غرور يبحث عن ذكر، ولا حماسة جمالية تعبت من إعادة الصياغة، ولا خوف من ضياع حقيقة، ولا موقف سياسي يستحق المخاطرة من أجله. النص الذي يخلو من كل هذا قد يكون سليما نحويا، لكنه لا يحمل ما يجعل القارئ يثق بأن أحدا كان يقصد شيئا حين كتبه. وهذا، في النهاية، هو ما تحاول أربعينية أورويل تذكيرنا به: أن نعرف لماذا نكتب قبل أن نسأل كيف نكتب أفضل.


قد يعجبك أيضاً

أدب

كتاب يُقرأ بالأذن

منصة كتاب سوتيل الشرق أوسطية سجلت نموا بنسبة 67% في مشتركيها خلال عام واحد بفضل توسيع مكتبتها العربية. قراءة في صعود الكتاب المسموع العربي، وكيف وجد جيل لا يقرأ الورق طريقة جديدة للعودة إلى القصص.

اقرأ المزيد
أدب

أبطالنا مستعارون

منصات الدبلجة العربية تُطلق مواسم الأنمي بالتزامن مع اليابان، وجيل كامل ينشأ على أبطال رُسموا في طوكيو ونُطقوا بالعربية. قراءة في ازدهار الأنمي المدبلج وسؤال الهوية الذي يطرحه بهدوء.

اقرأ المزيد