سائق يعمل اثنتي عشرة ساعة يوميا عبر تطبيق نقل، ينقل عشرات الركاب، لكنه حين يُصاب بمرض مفاجئ يكتشف أنه لا يملك تأمينا صحيا مرتبطا بهذا “العمل”، ولا إجازة مرضية مدفوعة، ولا حتى جهة رسمية واضحة يمكنه اللجوء إليها لتقديم شكوى إن تعرض لظلم في التقييم أو الدفع. هذا الوضع القانوني الملتبس دفع محاكم حول العالم للتدخل: قضت المحكمة العليا في بريطانيا بأن سائقي أوبر عمال يستحقون كامل حقوقهم القانونية، معتبرة أن طبيعة عملهم تخضع لسيطرة الشركة وتضعهم في علاقة تبعية واضحة لا تختلف جوهريا عن أي علاقة توظيف تقليدية (تقرير عالمي, 2026). عربيا، تعمل جهات عمل على صياغة اللوائح التنفيذية الخاصة بعمال المنصات بالتعاون المباشر مع شركات كأوبر وكريم (تليجراف مصر, 2026).
عامل من الناحية الفعلية، مستقل من الناحية القانونية
جوهر الإشكال يكمن في هذه الازدواجية: من الناحية العملية، يخضع السائق لقواعد صارمة تضعها الشركة، من التسعير إلى مسار الرحلة إلى معايير التقييم التي قد تؤدي لإيقاف حسابه نهائيا إن انخفضت. لكن من الناحية القانونية، يُصنَّف غالبا كـ”شريك مستقل” لا موظفا، ما يعفي الشركة من التزامات التوظيف التقليدية كالتأمينات الاجتماعية والحد الأدنى للأجر المضمون. هذه الفجوة بين الواقع العملي والتصنيف القانوني هي بالضبط ما تحاول التشريعات الجديدة سدّها، عبر تحويل هذه العلاقات تلقائيا إلى عقود دائمة حين لا يوجد عقد رسمي أصلا يحدد طبيعتها.
مرونة تجذب وتستنزف في آن
بالنسبة لكثير من السائقين، خصوصا الشباب الباحثين عن دخل إضافي أو الوافدين الجدد الذين لا يملكون بعد شبكة علاقات مهنية محلية، توفر هذه المرونة فرصة عمل سريعة الدخول لا تتطلب مقابلات توظيف طويلة أو خبرة سابقة موثقة. لكن هذه المرونة نفسها تعني غياب أي أمان وظيفي حقيقي: لا ضمان لعدد ساعات عمل ثابتة، ولا حماية من تقلبات الطلب الموسمية، والدخل يعتمد بالكامل على عدد الساعات التي يعمل بها السائق فعليا، ما يدفع كثيرين للعمل ساعات مطولة تتجاوز ما هو صحي جسديا ونفسيا لتعويض غياب أي دخل ثابت مضمون.
برامج دعم تُقر بمشكلة لم تُحل بعد
اعتراف جهات رسمية بالحاجة لبرامج دعم مخصصة لسائقي التطبيقات (هدف, 2026) يكشف ضمنيا أن النموذج الحالي غير كافٍ بذاته لتوفير استقرار معيشي حقيقي لمن يعتمدون عليه كمصدر دخل رئيسي، لا إضافي. وجود برنامج دعم منفصل يعني أن الدولة تدرك الفجوة، لكنها تعالجها حتى الآن بدعم خارجي مكمّل بدل إلزام الشركات نفسها بتوفير الحماية الأساسية من داخل العلاقة التعاقدية ذاتها.
يبقى السؤال معلقا فوق ملايين السائقين حول العالم العربي: هل ستتحول هذه المهنة تدريجيا إلى عمل نظامي كامل الحقوق كما بدأت المحاكم تقر في أماكن أخرى، أم ستبقى عالقة في منطقة رمادية مريحة للشركات، حيث يُطلب من السائق التزام الموظف الكامل دون أن يحصل على أي من حماياته؟