تخيّل مدينة واحدة بطول 170 كيلومترا، بلا سيارات ولا شوارع تقليدية، تسير على طرفيها واجهتان زجاجيتان مرآتان ترتفعان 500 متر، تعكسان الصحراء المحيطة بهما إلى ما لا نهاية، وتتسعان لسكان بعدد يقارب سكان مدينة نيويورك. هذا لم يكن تصورا سينمائيا، بل مخططا رسميا معلنا لمشروع “ذا لاين” ضمن رؤية نيوم السعودية. اليوم، بعد سنوات من الإعلان، توقف العمل في المشروع بالكامل حتى عام 2030 على الأقل، بعد أن اقتصر ما أُنجز فعليا على 2.4 كيلومتر من الأساسات (New Atlas, 2026).
حين يُصمَّم المستقبل من نقطة الصفر
جاذبية “ذا لاين” لم تكن هندسية فقط، بل فلسفية في جوهرها: فكرة أن بالإمكان تصميم مدينة كاملة من الصفر، متحررة من كل قيود المدن القديمة العشوائية النمو، وفرض شكل هندسي واحد نقي يحل كل مشكلات الحياة الحضرية دفعة واحدة. هذا النوع من الطموح له سحر فكري لا يُنكر: أن تُعاد كتابة قواعد العيش المشترك من الأساس، بدل ترقيع مدن ورثت فوضاها من قرون سابقة.
لكن هذا الطموح نفسه يحمل عيبه البنيوي: مشروع بميزانية تناهز 500 مليار دولار بدأ تنفيذه الفعلي قبل أن يُختبر بجدية هل يرغب مليون ونصف المليون إنسان فعلا في العيش داخل بنية رأسية ضيقة بهذا الشكل. تصميم مستقبل كامل من نقطة الصفر يفترض ضمنيا أن الرغبة البشرية يمكن التنبؤ بها بالدقة نفسها التي تُحسب بها أحمال الرياح على واجهة زجاجية شاهقة، وهو افتراض لم تؤكده التجربة.
الفجوة بين الرسم والإسمنت
الفارق بين المخطط والواقع المُنجَز يكشف حجم هذه الفجوة بوضوح صادم. من أصل 170 كيلومترا مخططة، اكتمل 2.4 كيلومتر فقط من الأساسات قبل تعليق العمل. حتى في التقديرات الأكثر تفاؤلا التي راجعت المشروع سابقا، تحول الحديث عن مدينة مكتملة بطولها الأصلي إلى أفق زمني يمتد ثلاثة إلى خمسة عقود، أي أن جيلا كاملا قد يمر قبل أن يكتمل ما وُصف يوما بأنه إنجاز العصر.
هذا النمط من التراجع التدريجي، من طموح جارف إلى نسخة أصغر فأصغر، ثم إلى تجميد كامل، ليس عيبا في التنفيذ وحده، بل يكشف خللا في المنهج ذاته: بناء مشروع بهذا الحجم بافتراض أن التصميم النظري المثالي سيصمد أمام تحديات الهندسة الفعلية والتمويل المستمر والطلب الحقيقي، بدل بنائه تدريجيا واختبار كل مرحلة قبل الانتقال للتالية.
من الخط إلى الميناء
المؤشر الأكثر دلالة على ما يحدث ليس تعليق “ذا لاين” بحد ذاته، بل إلى أين تحوّلت الأولويات بعد التعليق. تتجه السعودية اليوم نحو تطوير أوكساغون، المدينة الصناعية والميناء ضمن نيوم نفسها، وهو مشروع أقل بريقا بصريا من مدينة مرآوية شاهقة، لكنه أقرب بكثير إلى البنية التحتية القابلة للتنفيذ الفعلي والمردود الاقتصادي المباشر، خصوصا في ظل تحولات إقليمية تمس ممرات الشحن البحري.
هذا التحول من التصميم الطوباوي إلى الميناء العملي ليس تراجعا مخجلا، بل ربما يكون النسخة الأكثر نضجا من الطموح ذاته: طموح يقيس نفسه بما يمكن إنجازه فعلا، لا بما يبدو مبهرا في عرض تقديمي.
مشروع “ذا لاين” ليس أول مدينة طوباوية تصطدم بفجوة بين الرسم والإسمنت في تاريخ العمران الحديث، ولن يكون الأخير. الدرس المتكرر عبر عقود من تجارب مماثلة واحد: المدن الحقيقية لا تُصمَّم دفعة واحدة من عقل مهندس واحد، بل تُبنى بالتفاوض المستمر مع أرض لا تتبع دائما منطق المخطط، ومع بشر لا يسكنون الأماكن لأنها جميلة على الورق، بل لأنها تصلح فعلا للحياة.