فيديو مدته دقيقة واحدة، عنوانه “كيف تضاعف راتبك خلال ثلاثة أشهر”، ينشره شاب لا يحمل أي شهادة مالية معتمدة، لكنه يمتلك مئات آلاف المتابعين الذين يثقون بنصائحه أكثر مما يثقون بمستشار بنكهم. هذا هو “المؤثر المالي” أو “الفينفلونسر”، الظاهرة التي دفعت الإمارات لتصبح أول دولة في العالم تسنّ قانونا مخصصا لتنظيمها: القرار رقم 10 لعام 2025 الصادر عن هيئة الأوراق المالية والسلع، الذي دخل حيز التنفيذ فور نشره في مايو 2025 (Chambers and Partners).
من يحق له أن ينصحك بأموالك؟
يفرض القانون شروطا محددة بدقة: أي شخص يقدم نصيحة مالية أو توصية استثمارية عبر أي منصة يجب أن يحمل ترخيصا من الهيئة، وأن يكون إما محللا ماليا معتمدا منها أو حاملا لشهادة “محلل مالي معتمد” الدولية، وألا يكون موظفا في جهة تنظيمية، وأن يثبت تأثيره الفعلي عبر امتلاك ألف متابع حقيقي على الأقل أو ست سنوات خبرة مالية أو ظهور موثق في وسائل إعلام موثوقة. يُلزَم المؤثر المرخص أيضا بالشفافية الكاملة، والإفصاح عن أي مصلحة مالية أو شراكة مدفوعة، والتمييز الواضح بين الحقائق والآراء والمحتوى الترويجي (Meydan Free Zone).
قانون رائد، لكن تطبيقه ما زال هشا
رغم ريادة هذا الإطار التنظيمي عالميا، يكشف الواقع تحديات جدية في التطبيق: سجل هيئة الأسواق المالية يضم اليوم 171 مؤثرا ماليا مرخصا رسميا، لكن مراجعة هذه القائمة تكشف روابط تواصل اجتماعي معطلة أو غير متسقة أو منسوبة لحسابات خاطئة، ما يثير تساؤلات جدية حول جودة المتابعة الفعلية لهذا الترخيص بعد صدوره (CoinSpectator, 2026). بمعنى آخر، القانون موجود ويحدد من “يحق له” تقديم النصيحة المالية نظريا، لكن آلاف الحسابات غير المرخصة تستمر عمليا في تقديم نصائح استثمارية يوميا لملايين المتابعين، دون أن يواجه أغلبها أي عقوبة فعلية حتى الآن.
من يحمي المتابع حين تفشل النصيحة؟
جوهر المشكلة التي يحاول هذا القانون معالجتها ليس فقط جودة النصيحة المالية المقدمة، بل غياب أي مساءلة حين تفشل تلك النصيحة. مستشار مالي مرخص تقليديا يتحمل مسؤولية مهنية وقانونية واضحة إن قدم نصيحة سيئة أدت لخسائر جسيمة؛ أما مؤثر يحمل مليون متابع وصفحة أنيقة، فقد يختفي أو يغير مجال محتواه بمجرد أن تنكشف توصياته كخاطئة، تاركا متابعيه يتحملون وحدهم كلفة قرارات مالية بنوها على ثقة غير مبررة. القانون الإماراتي خطوة أولى مهمة نحو سد هذه الفجوة، لكن السؤال الحقيقي سيبقى: هل يمكن لأي تنظيم أن يواكب فعليا سرعة انتشار المحتوى المالي غير المرخص عبر منصات تتغير خوارزمياتها كل أسبوع؟