أب يجلس مع ابنه ليقارنا بين كليتين: إحداهما حكومية مجانية لكن مقعدها يتطلب مجموعا يكاد يكون مستحيلا، والأخرى خاصة تقبله فورا لكنها تكلف عائلته أكثر من راتب سنته كاملا. هذا المشهد بات يتكرر في آلاف البيوت المصرية، حيث تتراوح رسوم الجامعات الخاصة المعتمدة بين 55 و75 ألف جنيه للفصل الدراسي الواحد، مع رسوم إدارية وتسجيل إضافية تختلف من كلية لأخرى (سعر اليوم, 2026). وفي التخصصات الأعلى طلبا كالطب، تصل التكلفة السنوية في بعض الجامعات إلى ما يقارب 20 ألف دولار (أموال الغد, 2026).
توسع خاص يواكب تضخم القبول الحكومي
هذا الانفجار في عدد الجامعات الخاصة لم يأتِ من فراغ، بل استجابة مباشرة لضيق مقاعد الجامعات الحكومية المجانية أمام عدد متصاعد من خريجي الثانوية العامة كل عام. حين لا يكفي “المجموع” للقبول في التخصص الذي يريده الطالب أو حتى في أي كلية حكومية قريبة من منزله، يصبح القطاع الخاص هو المخرج الوحيد المتاح، بصرف النظر عن قدرة الأسرة المالية الفعلية. هذا يحول القبول الجامعي من مسابقة أكاديمية بحتة إلى مسابقة مزدوجة: من يملك الدرجات، ومن تملك أسرته المال الكافي حين لا تكفي الدرجات وحدها.
دين تعليمي يُدفع مقدما
خلافا للدول التي طورت أنظمة قروض طلابية تسمح بتأجيل السداد لما بعد التخرج والتوظف، يبقى النموذج السائد في أغلب الجامعات الخاصة العربية قائما على الدفع المسبق الكامل أو شبه الكامل. هذا يعني أن العبء المالي يقع بالكامل على الأسرة في لحظة الالتحاق، لا على الخريج بعد أن يبدأ كسب دخل. الأسرة التي تملك مدخرات كافية أو عقارا يمكن رهنه تستطيع تحمّل هذا العبء، بينما تضطر أسر أخرى للاستدانة أو التنازل عن حلم التعليم الجامعي لأحد الأبناء لصالح آخر، في مفاضلة قاسية نادرا ما تُروى علنا.
شهادة تُقاس بالسوق لا بالمعرفة وحدها
المفارقة أن ارتفاع الرسوم لا يترجم بالضرورة إلى جودة تعليمية متفوقة بشكل مطرد؛ فبعض الجامعات الأحدث والأقل تكلفة نسبيا، مثل جامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب، تستقطب عددا متزايدا من الطلاب الباحثين عن توازن بين التكلفة والاعتماد الأكاديمي (ستادي إن إيجي, 2026). هذا يخلق سوقا تعليميا حقيقيا بكل ما تحمله الكلمة من منافسة على السعر والموقع والخدمات الجانبية، لا فقط على جودة المنهج، ما يجعل قرار اختيار الجامعة أقرب لقرار استثماري عائلي منه لاختيار تربوي بحت.
يبقى السؤال معلقا فوق كل عائلة تدفع هذه الرسوم: حين يصبح مقعد الجامعة سلعة تُشترى بثمن واضح، هل ما زلنا نستطيع القول إن التعليم فرصة متكافئة بين أبناء الوطن الواحد، أم أن الشهادة نفسها باتت انعكاسا لثروة الأسرة قبل أن تكون شهادة على كفاءة الطالب؟