عبد الرحمان هلال

الطب · العلوم · التأمل
طب

طبيب في جيبك

Abderahmane Hellal · 26 سبتمبر 2026

كل طالب طب يعرف هذا الموقف: قريب يتصل في منتصف الليل، يصف ألما في جنبه، ثم يضيف قبل أن تنطق: “بحثت على الإنترنت، وأظنها الزائدة. أو ربما حصى. ChatGPT قال إنها قد تكون أحد الاحتمالين”. لم يعد المريض يصل إلى الطبيب بعرَض يحتاج تفسيرا، بل بتشخيص جاهز يحتاج تأكيدا. والسؤال الذي يشغلني منذ دخلت كلية الطب ليس هل يبحث الناس عن أعراضهم، فهم يفعلون ذلك منذ سنوات، بل ماذا يحدث فعلا في المسافة بين الشاشة والجسد.

الشاشة تعرف الكثير لكنها لا تسأل

الفكرة قديمة نسبيا. منذ 2013 كانت بيانات مركز بيو للأبحاث تشير إلى أن 35% من البالغين الأمريكيين حاولوا تشخيص حالة طبية بأنفسهم عبر الإنترنت، وأن نصفهم تقريبا ذهبوا بعدها إلى طبيب. في العام نفسه تقريبا بدأت تنتشر تطبيقات “فاحص الأعراض” (symptom checkers) التي تطرح عليك أسئلة ثم تعطيك قائمة بالاحتمالات.

حين اختبر باحثون من هارفارد 23 تطبيقا من هذا النوع على 45 حالة مرضية نموذجية، وضعت التطبيقات التشخيص الصحيح في المرتبة الأولى في 34% فقط من الحالات، ووصلت إلى 58% حين سُمح لها بقائمة من عشرين احتمالا (Semigran وآخرون، BMJ 2015). والأغرب أن هذه التطبيقات كانت تميل إلى التهويل: في ثلثي الحالات التي لم تكن تستدعي زيارة طبيب، نصحت بزيارته.

ما تعلمته في السنوات الأولى من الدراسة أن التشخيص لا يبدأ بقائمة أمراض، بل بسؤال جيد. الطبيب يسأل: متى بدأ الألم؟ هل ينتقل؟ ماذا يخففه؟ ثم يلمس البطن ويراقب وجه المريض وهو يضغط. الشاشة لا تفعل شيئا من هذا. هي تجيب عن السؤال الذي تكتبه أنت، حتى لو كان السؤال الخطأ.

من صداع عادي إلى ورم في الدماغ

في 2009 حلّل باحثان في مايكروسوفت سجلات بحث واسعة لمستخدمي محركات البحث، وخرجا بمصطلح أصبح اليوم شائعا: “السايبركوندريا” (cyberchondria)، أي التصاعد غير المبرر للقلق من أعراض شائعة بسبب ما يقرؤه الشخص على الإنترنت. وجد الباحثان أن نتائج البحث تربط الأعراض العادية كالصداع بأمراض نادرة وخطيرة كأورام الدماغ بمعدلات عالية، وأن المستخدمين كثيرا ما ينتقلون في بحثهم من العرَض البسيط إلى المرض المخيف (White وHorvitz، ACM 2009).

المشكلة هنا ليست في كذب المعلومة. صحيح أن الصداع قد يكون عرَضا لورم. لكن ما لا يظهر على الشاشة هو ما نسميه في الطب “الاحتمال القبلي” (pre-test probability): كم من الصداع الذي يدخل العيادة سببه ورم؟ نسبة ضئيلة جدا. الطبيب يفكر بالاحتمالات، والإنترنت يعرض الممكنات. وبين الاثنين مسافة واسعة يسكنها القلق.

الذكاء الاصطناعي يعرف الجواب والمريض لا يصل إليه

ظن كثيرون أن النماذج اللغوية الكبيرة ستغلق هذه الفجوة. فهي تحاور، وتسأل أسئلة متابعة، وقد نجحت في امتحانات الترخيص الطبي. ثم جاءت في فبراير 2026 دراسة من جامعة أكسفورد نُشرت في Nature Medicine، وهي من أكثر الدراسات التي قرأتها هذا العام إثارة للتفكير.

أعطى الباحثون نحو 1300 مشارك عشرة سيناريوهات طبية، وطلبوا منهم تحديد الحالة المحتملة وماذا يجب أن يفعلوا: البقاء في البيت؟ زيارة طبيب؟ الذهاب إلى الطوارئ؟ بعض المشاركين استعانوا بنماذج مثل GPT-4o، وبعضهم استعمل ما يستعمله عادة. حين اختُبرت النماذج وحدها على السيناريوهات نفسها، حددت الحالة الصحيحة في 94.9% من المرات. لكن حين استعملها الناس، هبطت النسبة إلى أقل من 34.5%، ولم يكن أداؤهم أفضل من المجموعة التي لم تستعمل الذكاء الاصطناعي أصلا.

أين ضاعت المعرفة؟ بحسب الباحثين، لم يعرف المستخدمون ما هي المعلومات التي يحتاجها النموذج ليجيب بدقة، وكانت الإجابات تتغير كثيرا مع تغيير بسيط في صياغة السؤال، وكانت النماذج تخلط النصيحة الصحيحة بالخاطئة في الرد نفسه، فلا يعرف المستخدم أيهما يصدّق. قالت ريبيكا باين، الطبيبة المشاركة في الدراسة، إن سؤال نموذج لغوي عن الأعراض “قد يكون خطيرا”.

هذه النتيجة تقول شيئا نتعلمه ببطء في كلية الطب: المعرفة الطبية ليست هي المهارة الطبية. أن تحفظ أعراض الزائدة الدودية شيء، وأن تعرف أي سؤال تطرحه على مريض خائف لا يعرف كيف يصف ألمه شيء آخر تماما.

حين يصبح التشخيص الذاتي علاجا ذاتيا

في بلداننا تأخذ المسألة بعدا إضافيا. التشخيص الذاتي لا يبقى عندنا فكرة في الرأس، بل يتحول بسرعة إلى زيارة للصيدلية المجاورة. خلصت مراجعة منهجية لدراسات من الشرق الأوسط إلى أن تناول المضادات الحيوية دون وصفة طبية منتشر بشكل واسع في دول المنطقة، ويرتبط كثيرا بالاستعمال غير المناسب للدواء، وذكرت من أسبابه ضعف الرقابة، والاحتفاظ ببقايا الأدوية لاستعمالها لاحقا، والاعتقاد بأن المضاد الحيوي يسرّع الشفاء من أي التهاب.

حين يجتمع محرك بحث يقترح التشخيص، وصيدلية تبيع دون وصفة، يُختصر مسار الرعاية الصحية كله في خطوتين لا يمر أي منهما بطبيب. وهنا يكون الخطر الحقيقي: لا في أن يقرأ الإنسان عن جسده، بل في أن تصبح القراءة بديلا عن الفحص.

ماذا لو غيّرنا السؤال؟

لا أظن أن الحل في منع الناس من البحث، فهذا لن يحدث ولا ينبغي أن يحدث. المريض الذي يفهم مرضه يلتزم بعلاجه أكثر ويطرح أسئلة أفضل. ومن يمر في أروقة المستشفيات يرى أطباء يتضايقون حين يأتيهم مريض بورقة مطبوعة من الإنترنت، وآخرين يقولون له: “جيد، لنقرأها معا”. الفرق بين الموقفين ليس في المريض، بل في الطبيب.

ربما يجب أن نستعمل الهاتف لنفهم ما قاله الطبيب، لا لنتجاوزه: لنعرف ما هو المرض بعد التشخيص، ولنجهز أسئلتنا قبل الموعد، ولنفهم لماذا اختير هذا العلاج دون غيره. أما لحظة التشخيص نفسها، بما فيها من أسئلة ولمس وملاحظة وموازنة للاحتمالات، فما زالت تحتاج إنسانا يجلس أمام إنسان.

الطبيب في جيبك يعرف أكثر مما كنا نتخيل. لكن السؤال الذي تتركه دراسة أكسفورد مفتوحا ليس هل الآلة تعرف، بل: هل نعرف نحن كيف نسألها؟

هذا المقال للتثقيف وليس بديلا عن استشارة الطبيب.


قد يعجبك أيضاً

علم وتقنية

برمجة بلا معرفة البرمجة

سوق «البرمجة بالحدس» بمساعدة الذكاء الاصطناعي تجاوز 4.7 مليار دولار عالميا، و63% من مستخدميه ليسوا مبرمجين أصلا. قراءة في كيف أتاحت أدوات الذكاء الاصطناعي لجيل من الشباب العربي بناء تطبيقات كاملة دون أن يكتبوا سطر كود واحد بأنفسهم.

اقرأ المزيد
تعليم

واجب لم يكتبه أحد

بحلول 2026، أصبح 92% من الطلاب حول العالم يستخدمون الذكاء الاصطناعي في دراستهم، واعترف 88% باستخدامه في واجبات تُحتسب ضمن الدرجة النهائية. قراءة في أزمة أكاديمية صامتة تطرح سؤالا أصعب من الغش نفسه: ماذا يبقى من التعلم حين تكتب الآلة الإجابة؟

اقرأ المزيد
إعلام

مؤثّرة لا تنام

حملات المؤثرين الافتراضيين تحقق معدل تفاعل يفوق نظيره البشري بثلاث مرات، وبحلول 2028 يُتوقع أن تمتلك 70% من كبرى العلامات الخليجية «وجها» رقميا دائما. قراءة في صعود المؤثرين المصطنعين وثمن الثقة حين يتلاشى الإنسان من الإعلان.

اقرأ المزيد