مجموعة شبان وشابات يجلسون معا على طاولة واحدة في مقهى بالرياض يناقشون كتابا قرأوه معا، مشهد كان يصعب تخيله في المساحة العامة نفسها قبل سنوات قليلة فقط حين كانت أغلب المقاهي تقسّم زبائنها بصرامة بين قسم “عائلي” وقسم “رجالي” منفصل تماما. اليوم، يشهد هذا المشهد تحولا متسارعا: ارتفع عدد المقاهي الثقافية المتخصصة في السعودية بنسبة 180% خلال ثلاث سنوات فقط وفق بيانات الهيئة العامة للترفيه (صقر الجزيرة, 2026)، وتحولت هذه المساحات من مجرد أماكن لتناول المشروبات إلى منصات حيوية تنبض بالحوارات الفكرية والأنشطة الثقافية المتنوعة.
من فصل صارم إلى تصميم مختلط بوعي
التصميم المكاني للمقاهي كان تاريخيا يعكس تصورا اجتماعيا معينا عن من يحق له مشاركة المساحة العامة مع من: أقسام منفصلة، مداخل مختلفة أحيانا، وحواجز بصرية تمنع التقاطع بين الفئات. المقاهي الثقافية الجديدة تكسر هذا النمط بوعي تصميمي مقصود: طاولات مشتركة، فعاليات نقاشية مفتوحة للجميع، ومساحات مصممة أصلا لتشجيع التفاعل العابر للفئات بدل الفصل بينها. هذا التحول المكاني ليس تفصيلا معماريا بسيطا؛ إنه إعادة تفاوض فعلية حول من يُعتبر “زبونا مرحبا به” في المساحة العامة نفسها.
استثمار في التجربة لا في المنتج وحده
اللافت أن العلامات التجارية الجديدة باتت تستثمر في التصميم الداخلي والديكور وتجربة الزائر أكثر من تركيزها التقليدي على جودة المشروب نفسه، وبعض الزبائن أصبحوا مستعدين لدفع مبالغ مرتفعة مقابل هذه التجربة الاجتماعية المتكاملة لا مقابل فنجان القهوة وحده. هذا يعني أن المقهى تحول من نقطة خدمة سريعة إلى وجهة اجتماعية بحد ذاتها، يقصدها الزائر أساسا من أجل نوع التفاعل الذي يوفره المكان، لا فقط من أجل المشروب الذي يُقدَّم فيه.
مقاومة هادئة من مساحات لا تزال منفصلة
رغم هذا التحول اللافت، لا تزال مساحات أخرى في نفس المدن تحافظ على النموذج التقليدي المنفصل، وتستمر في جذب شريحة من الزبائن تفضل صراحة هذا الفصل لأسباب دينية أو اجتماعية أو ثقافية تخصها. هذا يعني أن المدينة الواحدة اليوم تحتضن نموذجين متوازيين تماما: مقاه مختلطة تحتفي بالتفاعل العابر للجنسين، ومقاه أخرى تحافظ على الفصل التقليدي، دون أن ينتصر نموذج على الآخر انتصارا كاملا حتى الآن.
يبقى السؤال معلقا فوق هذا التحول الاجتماعي الهادئ: هل يعكس صعود المقاهي المختلطة تغيرا حقيقيا وعميقا في القيم الاجتماعية السائدة، أم أنه يبقى ظاهرة حضرية محصورة في شريحة عمرية واجتماعية معينة، بينما يستمر النموذج التقليدي المنفصل في الوجود بقوة موازية خارج دائرة الأضواء التي تتابعها وسائل الإعلام؟