فيديو مدته دقيقتان: امرأة ترتدي عباءة أنيقة تعد فطورا مرتبا بألوان متناسقة، تنظف مطبخا لامعا بحركات هادئة، وتُنهي المقطع بجملة عن “سعادتها الحقيقية” في بيتها. هذا النوع من المحتوى، الذي يوثق روتينا منزليا يوميا بإخراج شبه سينمائي، بات يجتاح حسابات نساء خليجيات على تيك توك، ضمن مزيج من الروتين اليومي، وتنظيم المطبخ، والطبخ، وأجواء منزلية “أصيلة”، بانتشار واضح عبر السعودية والإمارات والكويت ومصر (تيك توك, 2026).
احتفاء واعٍ لا عودة قسرية
ما يميز هذا المحتوى عن صورة “ربة المنزل” التقليدية في الأجيال السابقة هو الإطار الذي يُقدَّم به: ليس واجبا مفروضا تتحمله المرأة صامتة، بل خيارا حياتيا تُعلنه بفخر أمام جمهور واسع، وأحيانا تدر منه دخلا فعليا عبر الإعلانات والتسويق لمنتجات منزلية. هذا التأطير يقلب الصورة النمطية القديمة رأسا على عقب: العمل المنزلي الذي كان يُختزل تاريخيا كعمل “غير منتج” اقتصاديا، يتحول هنا إلى محتوى قابل للتسويق والربح، بل ويحمل خطابا صريحا يحتفي به كاختيار شخصي واعٍ لا كقدر مفروض.
رد فعل على عقود من خطاب مضاد
هذه الموجة لا تنشأ في فراغ؛ فهي تأتي بعد عقود من خطاب إعلامي وتنموي عربي وعالمي احتفى بالمرأة العاملة خارج المنزل كرمز تقدم وتحرر، أحيانا على حساب تصوير من تفضّل التفرغ لبيتها وأطفالها كمن “تخلّت” عن طموحها. المحتوى الجديد يبدو كرد فعل مباشر على هذا الخطاب: نساء يعدن يعلنّ، بثقة الحاصلة على شهادة جامعية أحيانا، أن اختيارهن للبيت لم يكن استسلاما بل قرارا مدروسا يستحق نفس الاحترام والتوثيق الذي يحظى به أي مسار مهني تقليدي.
جمالية مصقولة تخفي عملا حقيقيا
المفارقة الكامنة في هذا المحتوى أن “الروتين المنزلي” الذي يُعرض فيه ليس عفويا كما يبدو؛ فهو يتطلب تخطيطا للقطات، وإضاءة مدروسة، وأحيانا عدة محاولات تصوير حتى تخرج الحركة “الطبيعية” بالشكل المطلوب. هذا يعني أن صانعة هذا المحتوى تؤدي فعليا عملين متزامنين: العمل المنزلي الفعلي، والعمل الإبداعي والتسويقي لتوثيقه وتحويله لمحتوى جذاب. الجمالية المصقولة التي تبدو بلا مجهود تخفي عمالة إضافية غير مرئية للمشاهد العابر.
يبقى السؤال مفتوحا: هل يمثل هذا المحتوى تحررا حقيقيا لمن اخترن الحياة المنزلية من وصمة اجتماعية طالما لاحقتهن، أم أنه يعيد إنتاج نفس الضغط القديم بشكل جديد، حين يصبح على المرأة الآن أن تُثبت أن بيتها “مثالي” بما يكفي ليستحق أن يُعرض ويُقارن أمام جمهور رقمي واسع؟