عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
تأملات #15

من يحتاج أن يتحكم بكل شيء... يخاف فعلا أن يعرف حدوده

25 سبتمبر 2026

من يحتاج أن يتحكم بكل شيء...
يخاف فعلا أن يعرف حدوده

تأملات #15: من يحتاج أن يتحكم بكل شيء… يخاف فعلا أن يعرف حدوده

الرغبة في السيطرة على كل تفصيل تبدو في ظاهرها قوة، شخص يخطط بدقة، يتوقع كل احتمال، لا يترك شيئا للصدفة. لكن من يلاحظ هذه الرغبة عن قرب يجد غالبا أنها ليست مبنية على ثقة، بل على قلق عميق من المجهول، قلق يدفع صاحبه إلى محاولة إغلاق كل باب قد يدخل منه ما لا يستطيع التعامل معه. السيطرة هنا ليست هدفا بذاتها، بل درعا يحمي من خوف لم يُواجَه بشكل مباشر.

هذا يفسر سببا غريبا لمعاناة الأشخاص الذين يحتاجون للتحكم الشديد عند أي تغيير غير متوقع، حتى لو كان تغييرا صغيرا لا يستدعي كل هذا القلق منطقيا. التغيير غير المخطط له يهدد ليس فقط الخطة نفسها، بل الإحساس الكامل بالأمان الذي بُني على وهم القدرة على توقع كل شيء. حين ينكسر هذا الوهم، يشعر صاحبه بفقدان السيطرة على الحياة كلها، رغم أن ما حدث فعليا قد يكون تفصيلا صغيرا لا أكثر.

الأشخاص الذين يتعاملون بمرونة أكبر مع المفاجآت ليسوا، غالبا، أقل حرصا على نتائج حياتهم، بل أكثر قبولا لحقيقة بسيطة: هناك حدود لما يمكن التحكم فيه، وأي طاقة تُصرف في محاولة تجاوز هذه الحدود تُهدَر دون فائدة فعلية. هذا القبول لا يعني الاستسلام أو التوقف عن التخطيط، بل تخطيطا أكثر واقعية، يحسب احتمال الخطأ كجزء من الخطة نفسها، لا كاستثناء يهدد كل شيء إن حدث.

من يراقب نفسه بصدق في لحظات القلق الشديد من فقدان التحكم يكتشف غالبا أن الخوف الحقيقي ليس من الحدث نفسه، بل من معرفة أنه عاجز عن منعه. هذا العجز مزعج لأنه يكشف حدودا حقيقية لقدرة الإنسان، حدود يفضل كثيرون عدم مواجهتها بوضوح، فيهربون منها نحو نشاط مفرط في التخطيط والتحكم، يمنحهم وهما مؤقتا بأن هذه الحدود لا تنطبق عليهم.

تقبّل ما لا يمكن تغييره ليس ضعفا، بل توفير حقيقي للطاقة، يُعاد توجيهها نحو ما يمكن التأثير فيه فعلا. من يتعلم هذا الفرق مبكرا يعيش بقلق أقل، لا لأن حياته أصبحت أكثر أمانا، بل لأنه توقف عن إنفاق طاقته في معركة لم يكن قادرا على الفوز بها من البداية.

القلق من فقدان السيطرة غالبا أصعب من فقدانها فعلا.