تأملات #21: من يخاف الفشل يكرر نفس الخيار الآمن
من تعرض لفشل مؤلم في تجربة واحدة يتعلم غالبا الدرس الخطأ. الدرس الصحيح قد يكون “هذه الطريقة المحددة لم تنجح، فلنجرب طريقة أخرى”، لكن الدرس الذي يستقر في الذهن أحيانا هو “هذا النوع من المحاولات خطر، فلنتجنبه كله”. الفرق بين الدرسين كبير: الأول يفتح بابا لتجربة مختلفة، والثاني يغلق بابا كاملا من الاحتمالات.
هذا ما يفسر ظاهرة غريبة: أشخاص أذكياء، قادرون تماما على النجاح في مجالات جديدة، يستمرون في نفس الاختيارات المألوفة لعقود، ليس لأنهم لا يرون فرصا أفضل، بل لأن جزءا منهم يربط أي خروج عن المألوف بألم محتمل لم ينسه تماما. الأمان هنا ليس قرارا عقلانيا بقدر ما هو استجابة دفاعية قديمة، تتكرر تلقائيا دون مراجعة.
المفارقة أن هذا النوع من الأمان يحمل خطره الخاص، فقط أبطأ وأقل وضوحا. من يختار الطريق الآمن عشرين سنة متتالية لا يفقد فرصة واحدة فقط، بل يفقد القدرة تدريجيا على تقييم الخطر بشكل واقعي، لأن كل قرار آمن يقوي العضلة نفسها التي تخاف، ويُضعف العضلة التي تجرؤ. وبعد سنوات، يصبح حتى الخطر الصغير المعقول يبدو ضخما غير محتمل.
كسر هذا النمط لا يحتاج قفزة جريئة واحدة، بل سلسلة من مخاطرات صغيرة متكررة، كل واحدة منها كافية لإثبات للذهن أن الخروج عن المألوف لا يقود حتما إلى الألم القديم نفسه. مع الوقت، يعاد تدريب تلك الاستجابة الدفاعية على معايير أقرب للواقع الحالي، لا للتجربة القديمة التي تجمدت عند لحظة واحدة.
الأمان المتكرر لا يحمي من الفشل، هو فقط يؤخر مواجهته إلى وقت يكون فيه الثمن أعلى.