تأملات #22: الامتنان عادة ذهنية، لا رد فعل عاطفي
نظن أن الامتنان يأتي تلقائيا حين تحدث أشياء جيدة، وأنه غائب فقط حين تكون الحياة صعبة. هذا الفهم يجعل الامتنان رهينة للظروف، يظهر حين تسمح به الأحداث ويغيب حين لا تسمح، بينما الحقيقة أن الامتنان، كأي عادة ذهنية أخرى، يمكن تدريبه بمعزل تام عن جودة الظروف المحيطة.
من ينتظر ظروفا مثالية ليشعر بالامتنان سينتظر طويلا، لأن العقل البشري مبرمج على ملاحظة ما ينقص أكثر من ملاحظة ما هو موجود، وهذا منطقي تطوريا: التهديد المحتمل أهم للبقاء من الراحة الحالية. لكن هذا التحيز الطبيعي، إن تُرك بلا تدريب مضاد، يجعل الإنسان يعيش حياة كاملة من الرضا المتأخر دائما، يربط السعادة بشرط قادم لم يتحقق بعد.
من يدرّب نفسه على ملاحظة تفاصيل صغيرة يوميا، لا الأحداث الكبيرة فقط، يبدأ يلاحظ تدريجيا أن الحياة كانت تحتوي دائما على ما يستحق الانتباه، لكن الانتباه نفسه كان موجها نحو اتجاه آخر. هذا لا يعني تجاهل الصعوبات الحقيقية أو التظاهر بسعادة غير موجودة، بل يعني فقط أن الامتنان والصعوبة يمكن أن يتعايشا في نفس اللحظة، لأنهما يتعلقان بمستويات مختلفة من الانتباه، لا بحقيقة واحدة متناقضة.
الفرق بين من يملك هذه العادة ومن لا يملكها لا يظهر في الأوقات الجيدة، حيث يبدو الجميع راضين، بل في الأوقات الصعبة، حين يستطيع المتدرب أن يجد، وسط كل شيء سيئ، تفصيلا واحدا يستحق الذكر، بينما يغرق الآخر تماما في ما ينقص.
الامتنان ليس شعورا ينتظر اللحظة المناسبة، هو مهارة تُبنى في كل اللحظات الأخرى.