عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
تأملات #30

القلق يحضّر لأشياء نادرا ما تحدث

8 يناير 2027

القلق يحضّر لأشياء نادرا ما تحدث

تأملات #30: القلق يحضّر لأشياء نادرا ما تحدث

من يراجع قائمة مخاوفه القديمة بعد سنوات يجد أمرا لافتا: أغلب ما قلق منه بشدة لم يحدث أبدا، وما حدث فعلا غالبا لم يكن على القائمة أصلا. هذه الملاحظة، حين تتكرر بما يكفي، تكشف حقيقة غير مريحة عن طبيعة القلق: هو ليس تنبؤا دقيقا بالمستقبل، بل محاكاة متكررة لأسوأ سيناريو ممكن، تستهلك طاقة كبيرة دون أن تحمي فعلا من شيء حقيقي.

العقل يخلط القلق بالاستعداد، يظن أن التفكير المتكرر في كارثة محتملة هو نوع من التحصين ضدها، كأن تخيل الألم مسبقا يقلل وقعه إن حدث فعلا. لكن هذا صحيح فقط في نطاق محدود جدا، أما القلق المستمر، الذي يعيد نفس السيناريو عشرات المرات دون أي فعل جديد، فهو استهلاك للطاقة بلا أي عائد حقيقي، لأن التكرار الذهني لمشكلة لا يقترب بها خطوة واحدة من حل.

الفرق بين القلق المفيد والقلق العقيم يكمن في سؤال بسيط: هل يقود هذا التفكير إلى خطوة عملية، أم يدور في حلقة مغلقة بلا خروج؟ من يقلق بشأن امتحان قادم ويستخدم هذا القلق لمراجعة إضافية يستخدمه بشكل مفيد. أما من يقلق بشأن أمر لا يملك أي سيطرة عليه، ويكرر نفس الأفكار دون أي فعل ممكن، فهو يدفع ثمن القلق كاملا دون الحصول على أي من فوائده النظرية.

التحرر الجزئي من هذا النمط يبدأ بملاحظة بسيطة: تسجيل المخاوف الكبرى التي شعرت بها في الأشهر الماضية ومراجعتها بعد وقت. أغلب الناس يندهشون من حجم الفجوة بين ما خافوه وما حدث فعلا، وهذه الفجوة، إن أُخذت بجدية، تصبح حجة قوية ضد الثقة الزائدة في القلق كمؤشر دقيق لما سيأتي.

القلق يقدم نفسه كحماية، لكنه في أغلب الحالات فقط ثمن مدفوع مسبقا لشيء لم يكن سيحدث.