عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
تأملات #31

الفراغ بلا هدف يخترع لنفسه مشاكل

15 يناير 2027

الفراغ بلا هدف يخترع لنفسه مشاكل

تأملات #31: الفراغ بلا هدف يخترع لنفسه مشاكل

من يملك يوما مزدحما بمهام واضحة نادرا ما يجد وقتا للقلق من تفاصيل صغيرة، لأن ذهنه مشغول بما يجب فعله فعلا. أما من يملك وقتا فائضا بلا هدف واضح يشغله، يجد ذهنه، بشكل تلقائي تقريبا، يبحث عن شيء يقلق منه، حتى لو كان تافها، لأن الذهن البشري لا يتحمل الفراغ الكامل لفترة طويلة دون أن يملأه بشيء، ومن غير المهام الحقيقية يصبح الملء الافتراضي هو القلق أو الشك أو إعادة تحليل أمور انتهت فعلا.

هذا يفسر ظاهرة غريبة يعرفها كثيرون: انتظار رد على رسالة يتحول، خلال ساعة فارغة، من سؤال بسيط إلى قصة كاملة في الذهن عن كل الأسباب المحتملة للتأخير، أغلبها سلبي وغير حقيقي. لو كان ذلك الشخص مشغولا بمهمة تتطلب تركيزا كاملا، لم يكن ليجد الوقت لبناء تلك القصة من الأساس. الفراغ نفسه، لا الرسالة المتأخرة، هو ما صنع المشكلة.

هذا لا يعني أن الحل هو ملء كل لحظة بانشغال مستمر بلا توقف، فهذا يعيد مشكلة أخرى تتعلق بفقدان مساحة التفكير الحر المفيدة. الفرق هنا بين فراغ هادف، يُستخدم للراحة أو التأمل بوعي، وفراغ غير هادف، يُترك للذهن ليملأه بما يجده أقرب، وهو غالبا أسوأ الاحتمالات لا أفضلها.

من يلاحظ هذا النمط في نفسه يستفيد من قاعدة بسيطة: حين يجد ذهنه يبني قصصا قلقة حول أمر غامض، السؤال الأول ليس “ماذا لو كان هذا صحيحا؟” بل “هل أنا فارغ الآن أكثر من المعتاد؟” لأن الجواب غالبا يكشف أن المشكلة في الفراغ نفسه، لا في الموضوع الذي اختاره الذهن ليقلق حوله.

حين يكون الذهن فارغا بلا هدف، فإنه يصنع مشاكل ليشغل نفسه بها، وأغلبها لم يكن موجودا أصلا.