عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
تأملات #32

الوقت لا ينقص، نحن نفرّط فيه دون أن نلاحظ

22 يناير 2027

الوقت لا ينقص،
نحن نفرّط فيه دون أن نلاحظ

تأملات #32: الوقت لا ينقص، نحن نفرّط فيه دون أن نلاحظ

يشكو كثيرون من ضيق الوقت، وكأن اليوم أصبح أقصر مما كان، بينما الحقيقة أن عدد الساعات لم يتغير منذ أن وُجد الإنسان. ما تغير هو عدد الأشياء الصغيرة التي تسرق من هذه الساعات دون أن تُحتسب، لأنها لا تأتي دفعة واحدة بل على شكل دقائق متناثرة يصعب تتبعها: فتح الهاتف “للحظة”، إعادة قراءة رسالة لم تتغير، انتظار شيء لا يحتاج انتظارا فعليا. كل واحدة من هذه اللحظات تبدو بلا تكلفة، لكن مجموعها في نهاية اليوم هو الفرق الحقيقي بين من ينجز ومن يشعر فقط بالانشغال.

المفارقة أن من يشعرون بضيق الوقت أكثر هم غالبا من لا يراقبون أين يذهب وقتهم بالضبط. يكفي أن يحاول أحدهم تسجيل كل ساعة من يومه بصدق ليكتشف أن أقل من نصف الوقت ذهب فيما كان يعتقد أنه يفعله. هذه ليست مسألة كسل بقدر ما هي غياب وعي، فالعقل يميل إلى تذكر اللحظات التي شعر فيها بالإنتاجية وتجاهل الفجوات التي ضاعت بين هذه اللحظات.

الحل ليس في إضافة ساعات للنوم أقل أو جدول أكثر صرامة، فهذا غالبا يفشل بعد أيام قليلة. الحل أقرب إلى تتبع صادق، أسبوع واحد فقط، لمعرفة أين تتسرب الساعات فعلا، لأن المشكلة التي لا تُرى لا يمكن إصلاحها. كثيرون يفترضون أن وقتهم يُسرق من مهام كبيرة، بينما السارق الحقيقي غالبا أصغر وأكثر تكرارا من أن يُلاحظ دون تسجيل دقيق.

من يدرك هذا يتوقف عن السعي لإيجاد وقت إضافي، ويبدأ بدلا من ذلك في استرجاع الوقت الذي كان موجودا أصلا. الفرق بسيط لكنه جوهري: الأول يبحث عن شيء غير موجود، والثاني يصلح تسريبا قائما. ومن يصلح التسريب يجد أن يومه، بلا أي إضافة حقيقية، أصبح أطول مما كان يتوقع.

لا أحد يفقد وقته في لحظة واحدة كبيرة، بل في مئات اللحظات الصغيرة التي لم يحسبها.