عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
تأملات #33

الثقة الزائفة تأتي من قلة الأسئلة لا من كثرة الإجابات

29 يناير 2027

الثقة الزائفة تأتي من قلة الأسئلة لا من كثرة الإجابات

تأملات #33: الثقة الزائفة تأتي من قلة الأسئلة لا من كثرة الإجابات

يبدو الشخص الواثق من نفسه، في كثير من الأحيان، كمن يملك إجابات كثيرة جاهزة، بينما الحقيقة أن أصحاب الثقة الحقيقية يطرحون أسئلة أكثر مما يقدمون أجوبة. الفارق بين النوعين ليس في كمية المعرفة بل في موقفهم من الشك: من يخشى الشك يغلق الباب عليه بإجابة سريعة، ومن لا يخشاه يترك السؤال مفتوحا حتى يجد جوابا يستحق الثقة فعلا.

من اللافت أن أكثر الناس ثقة بأنفسهم، في الظاهر، هم غالبا من توقفوا عن مراجعة آرائهم منذ وقت طويل. كل سؤال جديد يهدد بأن يكشف ثغرة في فهمهم، فيتجنبونه ليس عن قصد بل بردة فعل تلقائية تشبه الدفاع عن النفس. هذه الثقة تبدو قوية من الخارج لكنها هشة من الداخل، لأنها تعتمد على غياب التحدي لا على القدرة على مواجهته.

في المقابل، من يطرح أسئلة كثيرة قد يبدو أقل ثقة، لأنه يتردد، يراجع، يعيد التفكير. لكن هذا التردد الظاهري هو في الحقيقة نوع أعمق من الأمان الداخلي: شخص لا يحتاج أن يكون محقا في كل لحظة ليشعر بقيمته، فيستطيع أن يقول “لا أعرف” دون أن يهتز إحساسه بنفسه. هذا النوع من الثقة لا يُرى بسهولة في أول لقاء، لكنه يثبت نفسه مع الوقت حين تتغير الظروف ويحتاج الشخص لتعديل موقفه دون أن ينهار.

المشكلة أن المجتمع غالبا يكافئ الإجابة السريعة أكثر من السؤال الجيد، فيتعلم كثيرون منذ الصغر أن التظاهر بالمعرفة أسلم من الاعتراف بالجهل. هذا يخلق جيلا كاملا من الواثقين ظاهريا، القلقين داخليا، الذين يخافون من أي سؤال قد يكشف أنهم لا يعرفون كل شيء، وهم في الحقيقة لا يعرفون، كما لا يعرف أحد آخر.

من يريد ثقة حقيقية لا مظهرا لها، يبدأ بقبول أن الأسئلة لا تُضعف موقفه، بل تكشف أين يحتاج لفهم أعمق. وهذا القبول، وحده، يفرق بين من يبني ثقته على الجهل بأسئلة لم تُطرح، ومن يبنيها على معرفة حقيقية صمدت أمام أصعب الأسئلة.

من يخاف السؤال يحمي جهله، ومن يرحب به يبني ثقة لا تنهار عند أول تحدٍ.