عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
علم نفس

الانسحاب الواعي

Abderahmane Hellal · 11 يوليو 2026

في مساء عادي، يفتح شاب في جدة تطبيقا أمضى عليه ثلاث سنوات، ثم يضغط “حذف الحساب” دون أن يطرده أحد ودون أن يتعرض لأزمة علنية. هذا المشهد لم يعد استثناء. بحسب تقرير حديث حول سلوك المستهلك الرقمي، حذف نحو 29 بالمئة من مستخدمي التواصل الاجتماعي في السعودية تطبيقا واحدا على الأقل خلال العام الماضي، وجاء ذلك بقرار شخصي لا بضغط خارجي (Arab News, 2026). ما يستحق التوقف عنده ليس الرقم بحد ذاته، بل أن هذا الانسحاب لا يشبه الإدمان الذي ينتهي بانهيار، بل قرارا محسوبا يشبه إغلاق حساب مصرفي لم يعد مربحا.

من الإدمان إلى الحساب

الخطاب السائد عن التواصل الاجتماعي طوال العقد الماضي صوّر المستخدم ضحية سلبية لتصميم مدروس بعناية لسرقة انتباهه. هذا الخطاب لا يزال صحيحا جزئيا، لكنه يغفل تحولا أعمق: المستخدم نفسه بدأ يتعامل مع وقته بمنطق اقتصادي صريح. الأسباب التي يذكرها من حذفوا تطبيقاتهم ليست غامضة أو عاطفية، بل عملية بشكل لافت: استهلاك مفرط للوقت، محتوى مملّ لا يضيف شيئا، إعلانات متكررة، ومحتوى غير لائق يتسلل إلى المساحة الشخصية.

هذا التحول من “أنا مدمن ولا أستطيع التوقف” إلى “حسبت الكلفة فقرّرت التوقف” يعكس نضجا في العلاقة مع التكنولوجيا أكثر مما يعكس رفضا لها. المستخدم لم يعد يرى الوقت الذي يقضيه على الشاشة موردا مجانيا يُستهلك دون حساب، بل أصبح يقيّمه مقابل بدائل أخرى ممكنة، تماما كما يقيّم أي قرار إنفاق.

الانتباه عملة نادرة

يصف إيمانويل دورو، أحد معدّي التقرير، هذا التحول بعبارة دقيقة: الانتباه أصبح “أكثر تركيزا، وأكثر قصدية، وأكثر كلفة” (Arab News, 2026). العبارة الأخيرة هي الأهم. حين يصبح الانتباه مكلفا، فهذا يعني أنه نادر، والندرة وحدها كفيلة بتغيير سلوك أي مستهلك عاقل، بصرف النظر عن مدى إغراء المنتج المعروض عليه.

هذا المنطق ليس بعيدا عما عرفته اقتصاديات الانتباه منذ عقود، لكن الجديد هو أن المستخدم نفسه بدأ يطبقه بوعي على حياته الرقمية اليومية، لا فقط على قراراته المهنية أو الاستهلاكية الكبرى. فتح التطبيق لم يعد فعلا تلقائيا لا يستحق التفكير، بل صار قرارا يُسأل عنه: هل يستحق هذا المحتوى الدقائق التي سيأخذها مني؟

جيل يطلب حراسة نفسه

الأكثر إثارة للانتباه في هذا التقرير ليس سلوك من حذفوا التطبيقات بالفعل، بل موقف جيل كامل من فكرة الرقابة الذاتية المؤسسية. يعتقد 41 بالمئة من المستخدمين أن الوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي يجب أن يكون محدودا بسن السادسة عشرة، ويرتفع هذا الدعم إلى 66 بالمئة بين جيل Z نفسه (Arab News, 2026). جيل نشأ داخل هذه المنصات هو من يطالب بوضع حاجز أمام من يشبهه في العمر.

هذا الموقف يقلب افتراضا شائعا مفاده أن الشباب هم آخر من يقلقه الاستخدام المفرط للتكنولوجيا. الحقيقة أن من عاش التجربة من الداخل هو الأقدر على رؤية كلفتها الحقيقية، تماما كما يميل من جرّب إدمانا ماديا إلى تأييد قيود أكثر صرامة ممن لم يجربه إطلاقا. المطالبة بحراسة خارجية هنا ليست ضعفا، بل اعترافا واقعيا بأن الإرادة الفردية وحدها لا تكفي أمام تصميم مبني خصيصا لتجاوزها.

الانسحاب الواعي، في نهاية المطاف، ليس رفضا للتكنولوجيا ولا حنينا إلى عالم ما قبل الشاشات. إنه إعادة تفاوض مع أداة صار وزنها في الحياة اليومية أثقل من أن تُترك بلا حساب. من يحذف تطبيقا اليوم لا يفعل ذلك لأنه فشل في استخدامه، بل لأنه بدأ أخيرا يسأل السؤال الذي كان غائبا لسنوات: ماذا أشتري فعلا مقابل الوقت الذي أدفعه هنا؟


قد يعجبك أيضاً

علم نفس

تشخيص في خمس عشرة ثانية

وجد باحثون أن أكثر من نصف الادعاءات المتعلقة بأعراض اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه في مقاطع الفيديو الشائعة على تيك توك لا تتماشى مع المعايير السريرية المعتمدة. قراءة في جيل يشخّص نفسه بمصطلحات نفسية معقدة اعتمادا على مقطع قصير، قبل أن يستشير مختصا واحدا.

اقرأ المزيد
علم نفس

الغيب على الشاشة

فيديوهات الأبراج على تيك توك جمعت 8.3 مليار إعجاب عالميا، بينما تسجل السعودية والإمارات أعلى معدلات استخدام للمنصة في العالم. قراءة في عودة التنجيم عبر تطبيقات أنيقة، وكيف تحول القلق من المستقبل إلى اشتراك شهري.

اقرأ المزيد
علم نفس

اقتصاد الوهم

فيديوهات قصيرة تعرض سيارات فارهة وأرصدة بنكية مصورة وصفقات "سريعة" تُغري آلاف الشباب العرب. قراءة في صناعة كاملة تبيع أمل الثراء السريع قبل أن تبيع أي شيء حقيقي.

اقرأ المزيد