فيديو مدته خمس عشرة ثانية: شاب يقف أمام سيارة رياضية مستأجرة، يفتح تطبيق بنك يعرض رصيدا بستة أرقام، ثم يقول بثقة “هذا ما حققته في شهر واحد بهذه الطريقة”. لا تفاصيل حقيقية، لا أرقام يمكن التحقق منها، فقط مشهد بصري مصمم بعناية ليقنعك بأن الثراء السريع ممكن وقريب المنال. هذا النموذج بات يهيمن على مساحات واسعة من المحتوى الموجَّه للشباب العربي على منصات مثل تيك توك وإنستغرام، حيث تبيع الخوارزميات نفسها “وهما ماليا” يجعل القصص والوجوه اللامعة أكثر انتشارا من الحقائق الواقعية المملة (الشرق الأوسط, 2026).
صناعة تبيع الأمل قبل الحقيقة
المفارقة أن هذا المحتوى لا يبيع منتجا واضحا في أغلب الأحيان، بل يبيع الشعور بإمكانية الوصول. الفيديوهات لا تفصح عادة عن التكاليف الخفية، ولا عن نسبة النجاح الحقيقية بين من “جربوا الطريقة”، ولا حتى عن هوية واضحة لصاحب المحتوى وسجله المهني. ما تفعله هذه الفيديوهات هو استخدام رموز الثراء المرئية - السيارة، الساعة، الشاشة المصورة للرصيد - كدليل بصري كافٍ لإقناع المشاهد بأن يثق ويشترك ويدفع، أحيانا في دورة تدريبية، وأحيانا في “فرصة استثمارية” غامضة. خلف الصور اللامعة والأرقام الضخمة تختبئ صناعة كاملة، كما تصفها إحدى الدراسات، “تبيع الأمل قبل الحقيقة” (الشرق الأوسط, 2026).
هذه الظاهرة تتقاطع مع مشكلة أوسع تكشفها دراسات حديثة: محتوى منخفض الجودة، وأحيانا مولَّد جزئيا بالذكاء الاصطناعي، بات يهيمن على منصات مثل تيك توك، مع تعرض الأطفال والمراهقين له بنسب أكبر من أي فئة عمرية أخرى (العربية, 2026)، ما يعني أن الفئة الأكثر عرضة لتصديق وعود الثراء السريع هي أيضا الأقل قدرة على تمييز الحقيقي من المصطنع.
لماذا ينجح هذا الخطاب تحديدا الآن؟
نجاح هذا النوع من المحتوى ليس صدفة، بل يتغذى على ظروف اقتصادية واجتماعية حقيقية: شباب يواجهون سوق عمل تنافسيا، ورواتب لا تواكب تكلفة المعيشة المتصاعدة، وأحلاما بحياة أفضل يبدو الطريق التقليدي إليها - دراسة طويلة، وظيفة، ترقية بطيئة - بعيد المنال أو بطيء جدا. حين يظهر شخص يقول إن هناك طريقا أسرع، فإن الرغبة في تصديقه لا تنبع من سذاجة، بل من إحباط مشروع تجاه المسارات التقليدية للنجاح. الخوارزمية لا تخترع هذا الإحباط، لكنها تتقنه وتستثمر فيه بدقة، لأن المحتوى الذي يخاطب حلما مكبوتا ينتشر أسرع من أي محتوى واقعي ومتوازن.
الثمن حين ينكشف الوهم
المشكلة لا تنتهي عند مشاهدة الفيديو، بل تبدأ فعليا حين يقرر المشاهد أن يجرّب: اشتراك في دورة مكلفة، أو استثمار في “فرصة” مبنية على وعد لا على أساس، أو حتى مجرد إحباط عميق حين يكتشف أن الطريق السريع الذي رآه لم يكن سوى تحرير جيد لمشهد بصري. هذا الإحباط له كلفة نفسية حقيقية، خصوصا حين يتكرر ويصبح جزءا من علاقة الشاب بفكرة النجاح نفسها: أن يبدأ بالشك في كل مسار، السريع منه والبطيء على حد سواء، لأن الخط الفاصل بين الفرصة الحقيقية والوهم المصور بات أصعب من أي وقت مضى في التمييز.