في خريف عام ٢٠١٤، نشر الباحث ديفيد دانينغ مقالا في مجلة Pacific Standard يفتتحه بفكرة تبدو متناقضة في ظاهرها: الجهل لا يشبه فراغا نشعر به، بل يشبه معرفة كاملة لا تنقصها الثقة (Pacific Standard, 2014). دانينغ، الذي أنفق أكثر من عشرين عاما في دراسة كيف يحكم البشر على معرفتهم بأنفسهم، يصوغ الفكرة بجملة واحدة كافية لتفسير كثير من النقاشات العقيمة التي نعرفها جميعا: المشكلة في الجهل أنه يشعر صاحبه كأنه خبرة. من لا يملك الكفاءة اللازمة لأداء مهمة ما غالبا لا يملك أيضا الكفاءة اللازمة لاكتشاف أنه لا يملكها، فتبقى ثقته بنفسه سليمة بينما أداؤه ضعيف.
الجهل الذي يرتدي قناع الخبرة
هذه هي الفكرة التي عُرفت لاحقا باسم أثر دانينغ-كروغر، نسبة إلى دانينغ وزميله جستن كروغر، اللذين وثّقا نمطا متكررا في أداء الأفراد: من يحصلون على أضعف النتائج في اختبار معين يميلون إلى تقدير أدائهم بثقة قريبة من ثقة من حصلوا على أفضل النتائج. الفارق ليس في درجة الثقة، بل في علاقتها بالأداء الفعلي. صاحب الأداء الجيد يعرف، بدرجة من الدقة، أين أخطأ وأين أصاب، لأن خبرته نفسها تمنحه أداة قياس داخلية. صاحب الأداء الضعيف لا يملك هذه الأداة، فيستعمل بدلا منها انطباعا عاما لا علاقة له بالحقيقة، وينتج عن غياب الأداة شعور زائف بالكفاءة لا يصدر عن غرور متعمد، بل عن نقص حقيقي في وسيلة التقييم.
ما يجعل هذا الأثر مزعجا أكثر من كونه طريفا هو أنه لا يقتصر على اختبارات الذكاء أو المعرفة العامة. دانينغ يلاحظ أنه يظهر في كل مجال يحتاج إلى مهارة تقييم ذاتي: القيادة، الكتابة، التفاوض، وحتى الحكم السياسي. كل من هذه المجالات يتطلب نوعين من الكفاءة في الوقت نفسه، الكفاءة في أداء المهمة، والكفاءة في الحكم على جودة هذا الأداء، وغياب الثانية يترك صاحبها يسير بثقة كاملة نحو قرارات لم تُفحص بما يكفي.
أوهام نولد بها ولا نتخلى عنها بسهولة
جانب آخر من تشخيص دانينغ يخص الأخطاء التي نحملها منذ الطفولة دون أن نراجعها. الأطفال يطورون تفسيرات حدسية للعالم الطبيعي، مثل الاعتقاد بأن الأشياء توجد لغاية معينة، وهذه التفسيرات لا تتبخر مع التعلم اللاحق، بل تبقى كامنة وتظهر من جديد تحت الضغط. حتى الباحثون المتمرسون، في لحظات الاستجابة السريعة، يصدّقون مرتين أكثر من المعتاد على تفسيرات غائية خاطئة حين يُطلب منهم الحكم بسرعة، ما يكشف أن هذه التفسيرات لا تُستبدل بالمعرفة العلمية، بل تظل متاحة في الخلفية بانتظار لحظة ضعف في التركيز.
نمط مشابه يظهر في كيفية تعاملنا مع قواعد تنطبق في سياق وتُطبَّق خطأ في سياق آخر. في إحدى التجارب التي يستعرضها دانينغ، طُلب من مشاركين أن يتوقعوا مسار كرة تخرج من أنبوب ملتوٍ، فمال كثير منهم إلى توقع مسار منحني، متأثرين دون وعي بنظرية “الدافع المنحني” التي كانت سائدة في القرن السادس عشر قبل أن يُثبت العلم خطأها. الثقة في هذا التوقع كانت عالية رغم خطئه، لأن القاعدة المستعارة من سياق آخر بدت منطقية كافية لمن لا يملك أداة لفحصها. هذا النوع من الخطأ يشرح كثيرا من القرارات اليومية: ليست كل ثقة مبنية على معرفة سليمة، فبعضها مبني على قاعدة مستعارة بثقة من سياق لا تنطبق عليه أصلا.
حين يزيد التعليم الجهل بدل أن يقلله
أكثر ما يثير القلق في تشخيص دانينغ هو ملاحظته أن التعليم لا يضمن تلقائيا تصحيح هذه الأوهام، بل قد يضيف إليها في بعض الحالات. في دراسات تناولت فهم الطلاب لنظرية التطور، أدى التعليم الإضافي إلى زيادة المعرفة الصحيحة وزيادة المفاهيم الخاطئة في الوقت نفسه، مع أثر جانبي خطير: تراجع عدد الطلاب الذين يجيبون بـ”لا أعرف” عن أسئلة لم يفهموها فعلا. التعليم هنا لم يصحح الخطأ بقدر ما منح الخطأ القديم لباسا جديدا من المصطلحات العلمية، فبدا الجهل وكأنه معرفة أكثر إحكاما، وهي الحالة الأخطر لأنها تصعّب على المتعلم نفسه، وعلى من حوله، اكتشاف أن شيئا لم يُفهم بعد.
هذا ينطبق أيضا على القناعات المرتبطة بالهوية والانتماء الأيديولوجي. دانينغ يشير إلى أن المعتقدات العميقة المرتبطة بمن نحن، لا بما نعرف، تشوّه الطريقة التي نعالج بها المعلومات الواقعية، حتى تصل أحيانا إلى تناقض منطقي صريح لا يلاحظه صاحبه لأنه يقرأ كل معلومة جديدة عبر فلتر هويته أولا. هذا يفسر لماذا لا تكفي الحجة الصحيحة وحدها لتغيير رأي شخص متشبث بفكرة خاطئة: المشكلة ليست في نقص المعلومة، بل في النظام الذي يقيّم المعلومة قبل أن تصل إلى وعيه.
كيف نحصّن أنفسنا من ثقتنا الزائدة
الحلول التي يقترحها دانينغ ليست معقدة تقنيا، لكنها صعبة نفسيا، لأنها تطلب من الشخص أن يشكك في الأداة التي يستعملها للحكم على نفسه. من أبرزها أسلوب سقراطي يدفع المحاور إلى استخراج تناقضاته الداخلية بنفسه عبر أسئلة متتابعة، بدل أن تُعرض عليه الأخطاء كحقائق جاهزة يرفضها دفاعا عن ذاته. حل آخر هو تجنب تكرار الادعاءات الخاطئة حتى عند تصحيحها، لأن التكرار نفسه، بصرف النظر عن سياق التصحيح، يثبّت الفكرة في الذاكرة ويجعلها تبدو أكثر إلفة، والإلفة تُترجَم لاحقا خطأ إلى صحة.
من الحلول الأخرى ممارسة “محاماة الشيطان” مع أفكارنا الخاصة قبل أن يفعلها غيرنا: أن يكلف الشخص نفسه بمهمة الدفاع عن الموقف المعارض لموقفه بجدية حقيقية، لا كتمرين شكلي. هذه الممارسة قريبة من فكرة تناولناها في مقال حرفة الانضباط، حين تحدثنا عن قدرة الكاتب على قراءة عمله بعين قارئ غريب لا بعين صاحبه. القارئ الغريب هو، في الحالتين، الأداة التي تعوّض غياب أداة التقييم الداخلية التي يتحدث عنها دانينغ؛ فالشخص الذي يتدرب على استدعاء هذا القارئ الغريب بانتظام، في الكتابة كما في الرأي، يقلل تدريجيا من الفجوة بين ثقته وأداءه الفعلي.
الثقة التي تستحق أن نطمئن إليها
القيمة الحقيقية في تشخيص دانينغ ليست في تخويفنا من الخطأ، بل في تذكيرنا بأن الثقة وحدها ليست دليلا على الصحة، وأن الشعور بالتأكد قد يكون أحد أعراض الجهل نفسه لا علاجه. هذا لا يعني أن نعيش في شك دائم يعطل القرار، بل أن نطور عادة متواضعة: أن نسأل، قبل أن نثق بحكمنا على أي موضوع، ما الأداة التي استعملناها للتأكد منه، وهل هذه الأداة صالحة لهذا السياق بعينه أم مستعارة من سياق آخر لا تنطبق عليه.
من يعتاد طرح هذا السؤال على نفسه، فردا أو مؤسسة، يكتسب مناعة تدريجية ضد أخطر أنواع الجهل: الجهل الذي لا يشعر بنفسه، والذي يقنع صاحبه أنه واقف على أرض صلبة بينما يقف فعلا على افتراض لم يُفحص منذ سنوات.