عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
فلسفة

ما الذي نحكم به حين نحكم على الآخرين؟

Abderahmane Hellal · 27 يونيو 2026

في عام 2008، نشر الباحث النفسي ستيفن بينكر مقالا في صحيفة New York Times بعنوان “الغريزة الأخلاقية” (NYT Magazine, Steven Pinker, 2008)، وفيه يبدأ بمفارقة مُربكة: أشخاص عاقلون يجدون أنفسهم يحكمون بشدة على تصرفات افتراضية لا تضر أحدا، ثم يعجزون عن تفسير هذا الحكم بمنطق متماسك حين يُطلب منهم ذلك. لماذا يبقى الحكم ثابتا حتى حين يُقنَع المرء عقليا بأنه لا أساس له؟

الفيل والفارس

باحث آخر هو جوناثان هايدت طوّر استعارة وصفت هذا الواقع بدقة (The Righteous Mind, Jonathan Haidt, 2012): العقل الأخلاقي يشبه فارسا يركب فيلا. الفيل هو ردود أفعالنا الانفعالية التلقائية: الاشمئزاز، الاستهجان، التعاطف، الولاء. الفارس هو التفكير العقلاني الذي نعتقد أنه يقود. لكن هايدت يقول إن الفارس في الغالب لا يقود بل يُبرّر: تتخذ الانفعالات حكمها أولا، ثم يأتي العقل ليبني له تفسيرا يبدو منطقيا.

هذا ما يُسميه هايدت “الاندهاش الأخلاقي”: حين تُقدّم لشخص ما قصة افتراضية يحكم عليها بشدة، ثم تُفنّد كل حجة يُقدمها واحدة واحدة، يبقى حكمه ثابتا ويقول في نهاية المطاف: “لا أعرف لماذا، لكنه خطأ”. الحكم سابق للمنطق، والمنطق خادم له لا مصدره.

خمسة مصادر للحس الأخلاقي

بينكر وهايدت يُحددان خمسة مصادر فطرية للأحكام الأخلاقية تتفاوت في حضورها بين الثقافات:

الأول هو الضرر والرعاية: الحساسية تجاه من يتألم ومن يحتاج المساعدة. الثاني هو العدالة والمعاملة بالمثل: الحساسية تجاه من يأخذ دون أن يُعطي. الثالث هو الولاء للجماعة: الانحياز لمن ينتمي إلى المجموعة الداخلية. الرابع هو السلطة والاحترام: الحساسية تجاه التسلسل الهرمي ومن يُخل به. الخامس هو النقاء: الاشمئزاز مما يُعدّ “دنيسا” بمعنى رمزي لا مادي فحسب.

الثقافات المختلفة تُرتّب هذه المصادر بطريقة مختلفة. المجتمعات الغربية الحديثة تميل إلى تقديم الضرر والعدالة. المجتمعات التقليدية تُعطي وزنا أكبر للولاء والسلطة والنقاء. ومن يختلفان أخلاقيا على قضية ما ليسا في الغالب مختلفَين في منطقهما، بل في ترتيبهما لهذه المصادر الخمسة.

الفطرة والحكم الأخلاقي في التراث الإسلامي

مفهوم الفطرة في الإسلام يُشير إلى الاستعداد الفطري الذي خُلق عليه الإنسان، ومن ضمنه استعداد أخلاقي معين. الحديث النبوي “كل مولود يولد على الفطرة” يُقرّر أن هناك قاعدة أخلاقية مشتركة يُولد عليها الإنسان قبل أن تُشكّله البيئة. هذا قريب جدا مما يقوله هايدت عن المصادر الخمسة: إنها لا تُعلَّم بل تُستيقظ.

لكن التراث الإسلامي لم يُسوِّ بين الفطرة والحكم الصحيح دائما. النقاش الكلاسيكي بين المعتزلة الذين يرون أن الأفعال حسنة أو قبيحة في ذاتها يدركها العقل، والأشاعرة الذين يرون أن الحسن ما حسّنه الشرع، هو في جوهره نقاش عن مصدر الحكم الأخلاقي: هل هو انفعال فطري؟ عقل مستقل؟ أم نص إلهي؟ وهو النقاش نفسه الذي يُجريه بينكر وهايدت بأدوات تجريبية بدلا من أدوات كلامية.

لماذا هذا يهم في عالمنا اليوم

ما يجعل بحث بينكر وهايدت ذا أثر عملي حاد هو تطبيقه على الخلافات السياسية والأخلاقية الكبرى. حين يختلف شخصان ويجدان أنفسهما يتحدثان بلغتين مختلفتين، المشكلة في أغلب الأحيان ليست أن أحدهما منطقي والآخر غير منطقي، بل أنهما يُرتّبان المصادر الأخلاقية الخمسة بطريقة مختلفة. من يُقدّم الولاء ينظر للعالم بطريقة مختلفة جوهريا عمّن يُقدّم العدالة الفردية، وكل واحد منهما يرى الآخر كأنه يفتقر إلى البداهة الأخلاقية.

وهذا يتصل بما طرحناه في مقال الجهل الواثق: الثقة بالحكم الأخلاقي الأولي تجعلنا أكثر عرضة للتوهم بأن ما نشعر به هو ما يجب أن يكون، دون فحص للمصدر الذي يُملي علينا هذا الشعور.

المسافة بين الشعور والاعتقاد

ما تُقدّمه هذه الدراسات ليس دعوة للتخلي عن الأحكام الأخلاقية، بل دعوة للوعي بكيفية تكوّنها. من يعرف أن حكمه الأولي مصدره انفعال فطري لا يستطيع إلغاء هذا الانفعال، لكنه يستطيع أن يسأل: هل ما أشعر به هو بالضبط ما أريد أن أعتقده؟ هل أنا أُبرّر أم أُفكّر؟

هذه المسافة الصغيرة بين الشعور والاعتقاد هي ما يُميّز التفكير الأخلاقي الناضج من مجرد ردود الفعل الانعكاسية. ليست المسافة يقينا بديلا، بل هي عادة السؤال عن الفارق بين ما يُملي علي حكمي وما أُريد فعلا أن أؤمن به. من اعتاد هذا السؤال يحتفظ بأحكامه لكنه يُعدّل علاقته بها: لا يتخلى عنها، بل يُدرك أين تبدأ وأين يجب أن يتوقف.


قد يعجبك أيضاً

فلسفة

الفرح يُخيفنا لأنه حقيقي

زادي سميث تُفرّق بين الفرح والسعادة: الفرح ليس راحة، بل حالة يقظة مُطلقة تجاه ما هو قابل للزوال. لماذا نختار السعادة الآمنة ونهرب من الفرح الذي يوسّع النفس؟

اقرأ المزيد
حضارة

الدَّين كعلاقة أخلاقية

دافيد غرابر يُثبت في كتابه 'الدين: التاريخ الأول لخمسة آلاف سنة' أن الدين سبق المال في التاريخ، وأنه دائما علاقة أخلاقية تحمل شحنة قوة. كيف رأى الإسلام هذا قبل ألف سنة؟

اقرأ المزيد
الجهل الواثق علم نفس

الجهل الواثق

بحسب الباحث ديفيد دانينغ، الجهل ليس غياب المعرفة بل سوء معرفة لا يشعر به صاحبه. قراءة في أثر دانينغ-كروغر، ولماذا تزيد الثقة حين تنقص الكفاءة.

اقرأ المزيد