في عام 2012، نشرت الكاتبة البريطانية زادي سميث مقالا في مجلة New York Review of Books بعنوان “الفرح” (Zadie Smith, NYRB, 2012)، وفيه تُميّز بين شعورين كثيرا ما يُخلط بينهما: الفرح والسعادة. السعادة، تقول سميث، مريحة ومتوقعة ومعقولة. الفرح مختلف تماما: إنه يُصيبك كالدوار، يجعلك تشعر أنك قادر على خسارة كل شيء، ومرتبط دائما بفكرة الزوال. لهذا نتجنبه أكثر مما نبحث عنه.
السعادة التي نريد والفرح الذي يُخيفنا
سميث تبني تمييزها على تجربة شخصية: لحظة رأت فيها ابنتها تلهو في الماء وشعرت بشيء لم يكن سعادة بل شيء أثقل وأصعب. إحساس بأن ما تراه جميل إلى حد يجعله مُخيفا، لأن كل ما هو جميل بهذا القدر قابل للزوال. الفرح في تعريفها ليس حالة رضا، بل حالة يقظة مُطلقة تجاه لحظة ليس لها ضمانة. ولهذا بالضبط نبتعد عنه: نُفضّل السعادة المتوقعة على الفرح الذي يفتح النفس على ما لا نملكه.
هذا الفارق يُشير إلى شيء عميق عن طبيعة ما نبحث عنه حين نقول “أريد أن أكون سعيدا”. معظم برامج تحسين الذات تستهدف الحالة المريحة: المزاج المستقر، الرضا اليومي، التوقعات المحققة. الفرح بالمعنى الذي تصفه سميث لا يتضمن استقرارا، بل يُعطّل الاستقرار. وهذا ما يجعله أصعب ابتغاء وأكثر قيمة.
الفرح في التراث الإسلامي
القرآن الكريم يستخدم كلمة “فرح” في سياقات مختلفة، وليس كلها إيجابية. الفرح الذميم هو الفرح بالدنيا على حساب ما هو أكبر: “لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ”. لكن هناك فرح آخر يأمر به القرآن وينبه إليه: “قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ”. والفارق بين النوعين هو الفارق نفسه الذي تصفه سميث: الفرح الأول منغلق على الذات الراضية بحظها، والثاني منفتح على ما هو أكبر منها.
الصوفية في التراث الإسلامي طوّروا ما يُمكن وصفه بنظرية متكاملة عن الفرح. الوجد عند ابن عربي وغيره هو حالة تتجاوز الراحة والسعادة الاعتيادية، تكسر الحاجز بين الذات والعالم، وتجعل الإنسان في لحظة معايشة كاملة لشيء يكبره. هذه اللحظة مُخيفة بالمعنى الذي تصفه سميث: ليست مريحة بل مُوسِّعة، تجعل الإنسان يشعر بأنه على حافة شيء لا يملكه بالكامل.
لماذا نختار السعادة على الفرح
الباحث النفسي ميهاي تشيكسنت ميهاي طوّر مفهوم “التدفق” (Flow) (Flow: The Psychology of Optimal Experience, 1990)، وهو حالة انغماس كامل في نشاط يتناسب مع مهاراتك، تُصبح فيها الذات غير ظاهرة. هذه الحالة أقرب إلى ما تصفه سميث بالفرح: ليست سعادة معتادة، بل نوع من الانسحاب المُبهج من الحضور المستمر للأنا. وما يلاحظه تشيكسنت ميهاي أيضا هو أن الناس كثيرا ما يرفضون الأنشطة التي ستُحقق لهم هذه الحالة لأن الدخول إليها يستلزم جهدا أوليا وانعدام سيطرة مؤقتا. نُفضّل البقاء في منطقة السعادة المريحة المُتحكَّم فيها.
هذه الملاحظة تتصل بما ناقشناه في مقال هذا هو الماء: الإعداد الافتراضي للعقل يبحث عن الراحة والتحكم. الفرح الحقيقي يستلزم التخلي عن جزء من هذا التحكم، وهذا يُفسّر لماذا نبتعد عنه بينما نقول إننا نريده.
الفرح كمعرفة لا كشعور
ما تُضيفه سميث إلى النقاش العادي عن السعادة هو هذا: الفرح ليس فقط شعورا بل معرفة. معرفة أن ما تراه حقيقي، وأن الحقيقي قابل للزوال، وأن هذا القبول هو نفسه شكل من أشكال الحضور الكامل في الحياة. من لا يقبل هذا يُؤثر السعادة الآمنة ويتجنب الفرح الحقيقي. ومن يقبله يفتح نفسه على تجربة أكثر اتساعا لكن أقل استقرارا.
هذا ما يجعل الفرح أقرب إلى الشجاعة منه إلى الراحة. ليس شجاعة البطولة الظاهرة، بل شجاعة الإقرار بأن ما نُحبه يكون أجمل وأثقل معا، وأن هذا الثقل هو بالضبط ما يُثبت أنه حقيقي. السعادة تُريدنا أن ننسى أن اللحظة ستنتهي. الفرح يُريدنا أن نتذكر ذلك بالضبط.