في عام 2005، وقف ديفيد فوستر والاس أمام خريجي جامعة كنيون في أوهايو، وبدلا من أن يحدثهم عن النجاح والمستقبل، بدأ بنكتة (This Is Water, David Foster Wallace, Kenyon College Commencement, 2005): “كان سمكتان شابتان تسبحان معا حين صادفتهما سمكة أكبر منهما سنا فأومأت إليهما قائلة: كيف حال الماء يا صبيان؟ واصلت السمكتان السباحة، وبعد لحظة نظرت إحداهما إلى الأخرى وسألت: ما الماء أصلا؟” النكتة بسيطة، لكنها تفتح سؤالا لا يغلق: ما الذي لا نراه لأننا داخله تماما؟
الإعداد الافتراضي للوعي
يذهب والاس إلى أن الإعداد الافتراضي للعقل البشري هو مركزية الأنا: كل شيء يُعاش من زاوية تجعل الذات هي المرجع الوحيد لكل ما حولها. الزحمة على الطريق ليست واقعة عامة؛ هي شيء يحدث لي أنا. ذلك الشخص الذي يتحرك ببطء أمامك في السوبر ماركت ليس إنسانا له قصته وهمومه؛ هو عقبة في طريقك أنت. ليس هذا التشخيص اتهاما أخلاقيا، بل وصفا ميكانيكيا: الدماغ يعالج العالم بدءا من نقطة مرجعية واحدة هي الشخص الذي يسكنه.
المشكلة ليست في وجود هذا الإعداد الافتراضي؛ فهو ضروري للبقاء. المشكلة أن معظم البالغين لا يعرفون أنه موجود، فيعيشون كما لو كان ما يرونه هو كل ما هناك، لا مجرد ما يتيحه لهم ذلك الإعداد. الفرق بين من يتعلم فعلا ومن يجمع فقط شهاداته، يقول والاس، هو هذا بالضبط: أن تعرف أن لديك إعدادا افتراضيا، وأن تملك القدرة على الاختيار بين متابعته أو تجاوزه.
الغفلة باعتبارها ماء
في التراث الإسلامي مفهوم يوازي الماء الذي لا تراه السمكة: الغفلة. كلمة قرآنية تتكرر في سياقات متعددة، تشير إلى حالة يكون فيها الإنسان يقظا بيولوجيا، مفتوح العينين، متحركا في العالم، لكنه غير حاضر بمعناه الأعمق: لا يرى ما حوله على حقيقته، ولا يرى نفسه على حقيقتها. الغفلة في هذا المعنى ليست نوما؛ هي يقظة ناقصة تبدو من الداخل كاملة.
ابن القيم الجوزية في “إغاثة اللهفان” يصف الغفلة بأنها “حجاب الحجب”، أي الحجاب الذي يجعلك لا ترى أنك محجوب. سمكة فوستر والاس لا تعرف ما الماء، وسمكة ابن القيم لا تعرف أن هناك حجابا. في الحالتين المشكلة ذاتها: الحاجز نفسه هو ما يمنع رؤيته، فالخروج منه يبدأ بسؤال لا يطرحه في العادة من هو داخله.
والأخطر من ذلك أن الغفلة مريحة. الإعداد الافتراضي لا يُنتج ألما ظاهرا؛ بل يُنتج رضا هادئا عن رؤية مبتورة. السمكة لا تشعر بالاختناق. هذا ما يجعل الخروج من هذه الحالة يستلزم إرادة وليس فقط معرفة: لن يدفعك ضيق واضح إلى التساؤل حين الوضع يبدو سليما من الداخل.
الحياة اليومية بوصفها الامتحان الحقيقي
ما يجعل خطاب والاس استثنائيا بين خطابات التخرج هو رفضه الحماس السهل. لا يتحدث عن لحظات الأزمة الكبرى حيث يظهر الشخصية، بل عن التافه المتكرر: الطريق المزدحم، الدور الطويل، التسوق بعد يوم مرهق. يقول والاس إن هذه اللحظات، لا اللحظات الكبرى، هي المكان الفعلي الذي يُحسم فيه من يكون الإنسان. لأن اللحظات الكبرى نادرة وظاهرة، بينما هذه صغيرة وغير مرئية ومتراكمة على مدار عقود.
الحرية الحقيقية، يستنتج والاس، ليست حرية من القيود الخارجية؛ هي قدرة داخلية على الانتباه وعلى اختيار ما تُعيره انتباهك. وهذه القدرة لا تأتي بالتلقائية، بل تُكتسب بجهد مقصود يشبه التدريب. الخريج الجديد يمتلك مهارات مهنية، لكن ما لا يُعلّمه أحد في الغالب هو هذا: كيف تظل واعيا بما يكفي لتختار كيف تعيش.
وهذا ليس خاصا بالغرب. التراث التربوي الإسلامي في أحسن لحظاته كان يفهم هذا: الغزالي في “أيها الولد” لا يُعلّم الطالب المعرفة فحسب، بل يُعلّمه كيف ينظر إلى نفسه وهو يتعلم، أي يُعلّمه الانتباه إلى الانتباه ذاته. المشكلة أن هذا المستوى من التعليم اختفى أو تراجع في كثير من المؤسسات التعليمية التي صارت تُعلّم المحتوى وتنسى من يتلقاه.
اقتصاد الإدراك والماء الجديد
ثمة طبقة أخرى لم يكن بإمكان والاس أن يرصدها كاملا في 2005، لكنها صارت الجزء الأكثر إلحاحا من السؤال: اقتصاد الإدراك. في العقد الذي تلا خطابه، بنت شركات تقنية بعض من أكبر الآلات في تاريخ البشرية، لكن وقودها ليس النفط ولا الكهرباء، بل الانتباه البشري. خوارزميات ضُبطت على مدار سنوات لإبقائك في الماء: في حالة التفاعل الانعكاسي مع المحتوى دون توقف للتساؤل عن طبيعة هذا المحتوى أو الدوافع وراء تقديمه.
الإعداد الافتراضي للعقل الذي وصفه والاس صار له الآن حليف مؤسسي: شركات تدرسه وتستغله وتُعمّقه. في عالم كان فيه اليقظة صعبة بسبب طبيعة العقل وحده، باتت أصعب بسبب صناعة كاملة تستثمر في إبقائك غافلا بطريقة مريحة ومتجددة. هذا هو الماء الجديد: ليس فقط الإعداد الافتراضي الذي وُلدنا به، بل الطبقة التي بُنيت فوقه لتجعل الخروج منه أصعب. وما يزيد الأمر تعقيدا أن هذا الماء لذيذ.
وهذا يتصل بما ناقشناه في مقال من يفعل ماذا بأي قدر حول المقاييس التي تبدو دقيقة لكنها تُخفي ما هو أهم: الشركات التي تبني هذه الأنظمة لا تقيس رضاك أو نموك بل تقيس وقت بقائك، لأن الوقت هو ما تبيعه للمعلنين. الأداة مُصمَّمة لإبقائك ساكنا لا لمساعدتك على الحركة.
الانتباه كفعل إرادي لا حالة طبيعية
ما يبقى من خطاب والاس بعد عشرين سنة ليس الوصفة؛ فهو لم يقدم وصفة. ما يبقى هو الإطار: أن الانتباه ليس موهبة يملكها بعض الناس دون سواهم، بل ممارسة يمكن اختيارها أو تركها. الاختيار متاح دائما، لكنه لا يحدث من تلقاء نفسه؛ يحتاج إلى وقفة واعية تسأل أولا: ما الماء الذي أسبح فيه الآن؟ وما الذي يشكّل ما أراه دون أن أنتبه لكيفية تشكيله؟
في عالم يتنافس على استهلاك انتباهك كما يتنافس على استهلاك مالك، القدرة على الانتباه الاختياري باتت تشبه القدرة على الادخار في اقتصاد يُصمَّم لحثّك على الإنفاق. لا يكفي أن تكون ذكيا لحماية نفسك منه؛ تحتاج أولا أن تعرف أنك في مياه ذات تيار. هذا ما كانت تعرفه السمكة العجوز التي أومأت للسمكتين الصغيرتين، ولم تشرحه.