الساعة الثالثة فجرا، صالة رياضية مضاءة بالكامل لكن بلا موظف استقبال ولا مدرب حاضر، وشاب يدخل ببطاقة عضوية إلكترونية ليمارس تمرينه في هذا التوقيت غير المعتاد تماما. هذا النموذج، المعروف بالصالة “الذكية” أو غير المأهولة، أصبح جزءا أساسيا من مشهد اللياقة البدنية المتوسع بسرعة في الخليج: سوق الأندية الصحية والرياضية في السعودية يُقدَّر بـ1.74 مليار دولار خلال 2026، مرتفعا من 1.56 مليار دولار في 2025، ومتوقع أن يصل إلى 3.01 مليار دولار بحلول 2031 بمعدل نمو سنوي يبلغ 11.53% (ResearchAndMarkets).
من صالة تقليدية إلى نظام هجين متعدد الأشكال
الإمارات تشهد نموا موازيا: سوق اللياقة فيها يبلغ بالفعل 1.3 مليار دولار، ومتوقع أن يصل إلى 2.1 مليار دولار بحلول 2027 مع توسع القطاع إلى ما هو أبعد من الصالات التقليدية. اللافت أن 76% من منشآت اللياقة في الإمارات باتت تعمل اليوم بنموذج هجين، مقابل 24% فقط تلتزم بالنموذج التقليدي الكامل، فيما تضم البلاد أكثر من 1200 مركز لياقة، مع توقعات بأن يرفع 70% من المرتادين وتيرة تمارينهم خلال العام (ZipDo, 2026).
الوصول الحر بديلا عن المدرب والجدول الثابت
جاذبية الصالة المفتوحة على مدار الساعة تختلف جوهريا عن جاذبية النادي التقليدي: لا حاجة للالتزام بمواعيد عمل موظفي الاستقبال، ولا انتظار دور جهاز معين في أوقات الذروة المسائية، بل حرية كاملة في اختيار الوقت الذي يناسب جدول عمل مضغوط أو أرقا ليليا أو حتى رغبة بسيطة في ممارسة الرياضة بمفرد دون أعين الآخرين. هذا النموذج يناسب تحديدا جيلا يقدّر المرونة الفردية أعلى من أي وقت مضى، ويبحث عن خدمات يمكن استهلاكها بالكامل وفق جدوله الخاص، لا وفق جدول مؤسسة تفرض عليه توقيتا محددا.
رياضة فردية في مجتمع كان يمارسها جماعيا
يحمل هذا التحول دلالة اجتماعية تتجاوز اللياقة البدنية نفسها: الصالة غير المأهولة، رغم كفاءتها العملية، تلغي عمليا العنصر الاجتماعي الذي كانت توفره الصالات التقليدية - محادثة عابرة مع مدرب، تشجيع متبادل بين مرتادين معتادين، شعور بالانتماء لمجتمع صغير يتشارك الهدف نفسه. حين يصبح التمرين نشاطا انفراديا بالكامل يمارَس في ساعة يختارها الفرد بمعزل عن أي تفاعل بشري مباشر، يُطرح سؤال أوسع يتكرر في كثير من التحولات الخدمية الحديثة: هل يكسب المستهلك فعليا كفاءة ومرونة أكبر، أم أنه يفقد دون أن يلاحظ شكلا صغيرا لكنه متكرر من التواصل الإنساني اليومي الذي كان يحدث عرضا في مساحات كانت مصممة أصلا لغرض مختلف تماما؟