عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
علم نفس

ما الذي يجعلنا سعداء؟

Abderahmane Hellal · 27 يونيو 2026

في عام 1938، بدأت جامعة هارفارد تجربة لم تكن تعلم كم ستطول: تتبّعت حياة 268 طالبا عبر عقود متتالية، تراقب صحتهم وعلاقاتهم ومساراتهم المهنية وتسألهم كل بضع سنوات عن شعورهم. أصبحت هذه التجربة تُعرف بدراسة Grant، وظل الباحث جورج فايلنت يُشرف عليها لأربعة عقود قبل أن يُلخّص خلاصتها (The Atlantic, Joshua Wolf Shenk, 2009). خلاصة خمسة وسبعين عاما من البيانات كلها في جملة واحدة: “دفء العلاقات طوال الحياة هو ما يُرسّخ الرضا والسعادة أكثر من أي شيء آخر.” لا المال، لا الذكاء، لا الشهرة، لا حتى الصحة الجيدة في ذاتها. العلاقات.

ماذا تُضيف الدراسة الطولية؟

قبل الخوض في النتيجة، تستحق المنهجية وقفة. معظم دراسات السعادة تُصمَّم مستعرضة: تُقارن مجموعة من الناس في لحظة واحدة. ضعفها المعروف أنها تعكس حالة لا مسارا. الدراسة الطولية التي تتابع الأشخاص أنفسهم على مدار عقود تتجاوز هذا الضعف: لا تقارن أغنياء بفقراء في لحظة واحدة، بل تسأل: هل الشخص الذي أصبح أغنى أصبح أسعد؟ هل الذي نجح مهنيا أصبح أكثر رضا في الستين والسبعين من عمره؟

النتيجة الأبرز عند فايلنت: الرجال الذين أبلّغوا عن علاقات دافئة في منتصف العمر كانوا أكثر صحة وأطول عمرا وأكثر رضا في نهاياتهم، وذلك بصرف النظر عن ثروتهم أو مواقعهم أو صحتهم الأولية في شبابهم. والأهم: العلاقات الدافئة تنبّأت بالسعادة في الستينيات والسبعينيات من العمر أكثر مما تنبّأت بها أي مؤشرات صحية أو اقتصادية مقيسة في الشباب.

هذا لا يعني أن المال والصحة لا يهمان. يعني أنهما ليسا الشرط الكافي، وأن الناس الذين يُؤجّلون الاستثمار في العلاقات لصالح الإنجاز ثم يعودون لبنائها لاحقا يجدون أن الفرصة ضاقت بطرق لا تُعوَّض دائما. الأطفال يكبرون، الأصدقاء يبتعدون، الوالدان يرحلون.

السعادة والفلاح: مفهومان لا مفهوم واحد

التراث الإسلامي لا يُقدّم مفهوم “السعادة” بالمعنى ذاته الذي يستخدمه علم النفس الحديث، لأن المفهوم القرآني الذي يوازيه أعمق وأكثر استمرارا: الفلاح. كلمة تُذكر في الأذان خمس مرات يوميا “حيّ على الفلاح”، لكن قلة يتوقفون عند تعريفها الدقيق. الفلاح في اللغة مشتق من الفَلّاح، أي من يحرث الأرض ويُثمرها على مدى طويل. ليس لحظة نشوة أو رضا آني، بل نتيجة جهد ممتد يُنتج ثمارا تدوم. هذا الفارق الدقيق يُشير إلى شيء جوهري: الإسلام لا يُقدّم السعادة كهدف يُؤتى إليه، بل كنتيجة تظهر حين يُحسن الإنسان صلته بما حوله.

المفردة القرآنية الأقرب للحالة الذاتية التي يصفها علم النفس هي “الطمأنينة”، و”النفس المطمئنة” هي الدرجة الأعلى في التصنيف القرآني. والطمأنينة لا تأتي من تحقيق هدف أو الفوز بشيء، بل من نوع العلاقة التي يعيشها المرء: مع الله أولا، ثم مع نفسه، ثم مع من حوله. هذا التسلسل قريب جدا من نتيجة فايلنت، مع فارق في الترتيب والمصدر لكن ليس في البنية الأساسية.

ما أخطأ فيه التفكير المعاصر

الفجوة بين ما يعتقد الناس أنه سيُسعدهم وما يُسعدهم فعلا فجوة موثقة في علم النفس المعرفي. دانييل كاهنمان ورفاقه (Nobel lecture, 2002) يُشيرون إلى ظاهرة “التنبؤ العاطفي”: البشر يُقدّرون تأثير الأحداث الإيجابية على سعادتهم المستقبلية بأعلى بكثير مما تكون عليه فعليا حين تحدث. الترقية الكبيرة، الشقة الجديدة، السفر المُحلَم به، كل هذا يُحسّن المزاج لفترة ثم يعود إلى خط الأساس. لكن العلاقة التي تتعمق على مدار سنوات لا تتبع هذا النمط.

التفكير الحديث المُركّز على إنتاجية الفرد واستقلاليته المهنية يُقدّم العلاقات أحيانا كمورد يُدار لا كهدف في ذاته: “تواصل مع شبكتك”، “استثمر في علاقاتك”. هذه اللغة تصف العلاقات بوصفها وسيلة، وهو تحوّل طفيف في الصياغة لكنه عميق في الأثر: حين تنظر إلى علاقاتك كاستثمار تتوقع عائده، تُفسد بالضبط الخاصية التي تجعلها ذات قيمة.

دراسة Grant تُلقي ضوءا على أحد التوترات الكامنة في نموذج “تحسين الذات” الحديث: حين تُصبح الذات هي المشروع الأساسي، فكل علاقة تُقيّم بما تُضيفه إليها. لكن العلاقات التي وصفها الرجال الأكثر سعادة في الدراسة لم تكن من هذا النوع؛ كانت علاقات يصف أصحابها أنفسهم فيها بأنهم يُعطون لا فقط يأخذون.

الجواب الذي يصعب استيعابه

نتيجة دراسة Grant سهلة التلخيص وصعبة الاستيعاب، لأنها تتعارض مع ما تُكافئه معظم المؤسسات التي ننشأ فيها. المدرسة تُكافئ الأداء الفردي. سوق العمل يُكافئ الإنتاجية الفردية. وسائل التواصل تُكافئ الحضور الفردي. في هذا السياق، قضاء ساعتين كل أسبوع في صحبة صديق قديم تبدو “مضيعة” مقارنة بقائمة المهام المتراكمة. لكن الرجل الذي في الثمانين من عمره لا يتذكر قوائم المهام.

هذا يتصل بما ناقشناه في مقال هذا هو الماء: الإعداد الافتراضي للعقل يُركّز على ما يمكن قياسه، والعلاقات أصعب قياسا من الراتب أو اللقب أو قائمة الإنجازات. لذا يميل الناس إلى التخطيط لتحسين ما يقيسون وتأجيل ما لا يقيسون، ثم يكتشفون في محطة ما أن ما لم يقيسوه كان هو الأهم فعلا. دراسة Grant ليست بشارة بالمعنى السهل؛ هي تذكير بأن الوقت الذي يمر دون استثمار في العلاقات لا يُعوَّض بعد مدة.


قد يعجبك أيضاً

فلسفة

الفرح يُخيفنا لأنه حقيقي

زادي سميث تُفرّق بين الفرح والسعادة: الفرح ليس راحة، بل حالة يقظة مُطلقة تجاه ما هو قابل للزوال. لماذا نختار السعادة الآمنة ونهرب من الفرح الذي يوسّع النفس؟

اقرأ المزيد
علم نفس

الغيب على الشاشة

فيديوهات الأبراج على تيك توك جمعت 8.3 مليار إعجاب عالميا، بينما تسجل السعودية والإمارات أعلى معدلات استخدام للمنصة في العالم. قراءة في عودة التنجيم عبر تطبيقات أنيقة، وكيف تحول القلق من المستقبل إلى اشتراك شهري.

اقرأ المزيد
علم نفس

اقتصاد الوهم

فيديوهات قصيرة تعرض سيارات فارهة وأرصدة بنكية مصورة وصفقات "سريعة" تُغري آلاف الشباب العرب. قراءة في صناعة كاملة تبيع أمل الثراء السريع قبل أن تبيع أي شيء حقيقي.

اقرأ المزيد