رواية “الخيميائي” لباولو كويلو، التي تتبع راعيا أندلسيا اسمه سانتياغو في رحلته من إسبانيا إلى أهرامات مصر بحثا عن كنز رآه في حلم متكرر، تُباع منذ صدورها عام ١٩٨٨ بعشرات الملايين من النسخ، وتُدرَّس في برامج تطوير الذات أكثر مما تُدرَّس في أقسام الأدب. القصة معروفة: شيخ يدعى ملكي صادق يحدث سانتياغو عن “أسطورته الشخصية”، رحلة محفوفة بالسرقة والحب والاختبار، ثم خيميائي يرافقه في عبور الصحراء، وفي النهاية كنز يُستخرج من تحت تربة بعينها. ما لا يعرفه كثير من قرائها العرب أن هيكل هذه الحكاية ليس من اختراع كويلو، بل وصل إليه عبر سلسلة طويلة تبدأ من بغداد، لا من ساو باولو.
حكاية لم تبدأ مع كويلو
كويلو نفسه لم يخف الأمر، فقد ذكر أكثر من مرة أن تصوره الأول لحكاية الكنز جاء من قصة قصيرة كتبها خورخي لويس بورخيس عام ١٩٣٥ بعنوان “حكاية الحالمين الاثنين”، وفيها رجلان يحلم كل منهما بكنز الآخر (SparkNotes context). بورخيس بدوره لم يخترع الحكاية، بل أعاد صياغة قصة وصلته من ترجمات “ألف ليلة وليلة”، حيث تظهر تحت عنوان “الرجل الذي عاد ثريا بفضل رؤيا” ضمن متن الليالي الكلاسيكي. فالخط الذي يبدأ في بغداد العباسية ينتهي في مكتب ناشر برازيلي بعد أكثر من ألف عام، عابرا الترجمة الإنجليزية لإدوارد لين، فمخيلة بورخيس الأرجنتينية، فقلم كويلو.
والمسار لا يتوقف عند هذه المحطات الثلاث. باحثون في الأدب المقارن يتتبعون نسخا قريبة من هذه الحكاية في الفولكلور اليهودي، وفي الشعر الفارسي عند جلال الدين الرومي، الذي صاغ في “المثنوي” حكاية رجل يحلم في بغداد بكنز في القاهرة وآخر يحلم في القاهرة بكنز في بغداد. هذا التكرار عبر تقاليد متباعدة جغرافيا ولغويا لا يعني أن أحدا “سرق” من أحد بالمعنى المبتذل للكلمة، بل يعني أن هذا القالب القصصي كان متداولا شفويا بين ثقافات حوض المتوسط والشرق الأدنى قبل أن يثبته أي نص مكتوب، وأن “ألف ليلة وليلة” كانت إحدى أوعيته الكتابية الكبرى، لا مصدره الوحيد. هذا بالضبط ما يجعل الحكاية مثالا نموذجيا على الفرق بين الملكية الأدبية الحديثة، التي تُنسَب فيها كل صياغة إلى مؤلف واحد بحقوق محفوظة، وبين التراث الشفوي الذي يتداوله جيل عن جيل دون أن يطلب أحد توقيعا عليه.
من نام في بغداد وحلم بالقاهرة؟
الحكاية الأصلية في “ألف ليلة وليلة” أبسط من رواية كويلو وأكثر قسوة في مغزاها. رجل بغدادي خسر ثروته كاملة، فرآه في حلمه من يأمره بالسفر إلى القاهرة طلبا لرزق ينتظره هناك. سافر الرجل، فنام في مسجد، فدخل لصوص إلى بيت قريب في تلك الليلة، وحين وصلت الشرطة لم تجد سواه نائما في المكان، فاعتُقل وضُرب بتهمة لم يرتكبها. والي القاهرة، حين سمع منه حكاية الحلم الذي دفعه إلى السفر، ضحك من سذاجته وقال إنه هو نفسه رأى في حلمه ثلاث مرات بيتا في بغداد تحت نافورته كنز مدفون، ووصف البيت بدقة، ثم أطلقه وأعطاه نفقة العودة سخرية منه. فعاد الرجل إلى بغداد، فوجد أن البيت الذي وصفه الوالي هو بيته نفسه، واستخرج الكنز من تحت نافورته (Arabian Nights Wiki).
هذا هو الهيكل الذي حافظ عليه كويلو بدقة لافتة: حلم يدفع الشخصية إلى سفر طويل ومضن، خسارة وعقاب في الغربة، شخص غريب يكشف بلا قصد أن الكنز كان في نقطة الانطلاق نفسها، وعودة لاستخراجه. في “الخيميائي”، يُسرَق سانتياغو في طنجة، ثم يُضرَب بعد رحلته في الصحراء، ثم يخبره رجل عصابة، وهو يضربه، عن حلم رآه بكنز مدفون عند شجرة جميز في كنيسة مهجورة في إسبانيا، أي عند النقطة التي بدأ منها سانتياغو رحلته بالضبط. القصتان تتقاطعان حتى في تفصيل أن الكنز يُكتشف بفعل عنف يتعرض له البطل، لا بفعل حكمة يكتسبها بمفرده.
الحكاية تتغير حتى وهي تحتفظ بهيكلها
الفارق الحقيقي بين النصين ليس في البنية، بل في المغزى الذي يُلصَق بها. حكاية “ألف ليلة وليلة” قصة عن السخرية من الحظ وعن هشاشة المعرفة الإنسانية: الرجل لا يتعلم شيئا، بل يُكافَأ مصادفة بعد أن سخر منه من يعرف الحقيقة دون أن يقصد كشفها. لا حكمة، لا “أسطورة شخصية”، لا كون يتآمر لمساعدته، فقط مفارقة قاسية تُذكِّر السامع بأن المعرفة كثيرا ما تأتي من فم من لا يأبه بها.
كويلو، حين أعاد صياغة الهيكل نفسه لجمهور عالمي في نهاية القرن العشرين، استبدل هذا المغزى بمغزى مضاد تماما: العالم ليس ساخرا، بل متعاون مع من يصدق رحلته، والإصرار وحده هو ما يحول السفر العبثي إلى قدر مكتوب. مفهوم “روح العالم” الذي يشرحه الخيميائي لسانتياغو، وهو قوة كونية واحدة تربط كل الكائنات وتفهم لغتها من يتعلم الصمت، أقرب إلى مفردات التصوف الإسلامي والمسيحي منه إلى أي مصدر برازيلي محلي، لكنه يُقدَّم في الرواية بصيغة عامة منزوعة من سياقها الأصلي، صيغة تصلح لقارئ في طوكيو كما تصلح لقارئ في الإسكندرية.
هذا التحول ليس عيبا في ذاته، بل مثال دقيق على ما يحدث للحكايات حين تنتقل بين عصور وأسواق: الهيكل يبقى لأنه يعمل سرديا، أما المعنى فيُعاد كتابته بحسب ما يحتاجه من يرويه من جديد، تماما كما تُعاد كتابة سيرة المؤسسات حين تتغير الأيدي التي تتولاها دون أن يتغير اسمها. الفارق بين الراوي الأول والراوي الأخير ليس في الصدق أو الكذب، بل في الحاجة التي تدفع كل واحد منهما إلى الحكي: راوي الليالي يخدم سامعا يريد أن يُذكَّر بهشاشة الحظ، وكويلو يخدم قارئا يريد أن يُطمأن بأن جهده لن يضيع.
لماذا يهم أن نعرف من حكى القصة أولا
قد يبدو تتبع هذا النسب نوعا من التحصيل العلمي البارد، لكنه في جوهره يخص نفس الدافع الذي تناولناه في مقال لماذا نكتب: الرغبة في حفظ الحقيقة كما هي، لا كما يفيد أن تكون. حضارة عربية إسلامية صاغت قالبا سرديا متينا بما يكفي ليصمد ألف عام ويعبر ثلاث لغات وقارتين، ثم وصل إلى القارئ العربي نفسه مغلفا بغلاف برازيلي، دون أن يعرف أن البيت الذي يبحث عنه قارئ “الخيميائي” هو بيته هو في الأصل.
هذا النمط من الفقدان لا يقتصر على الحكايات. الذاكرة الحضارية، كما تناولنا في مقال دفاتر الذاكرة، تُمحى أحيانا لا بالحرق أو المنع، بل بشيء أهدأ: أن تنتقل الفكرة إلى لغة أخرى وتعود إلينا منسوبة لغيرنا، فنصفق لها بحرارة لا نمنحها حين نقرؤها في مصدرها الأول. معرفة الأصل ليست مسألة فخر وطني، بل أداة لرؤية كيف تُنقل المعرفة فعلا، ومن يُكتب له الفضل في النهاية حين تُروى القصة من جديد.
سانتياغو، في نهاية الرواية، يعود إلى النقطة التي بدأ منها فيجد ما كان يبحث عنه طوال الرحلة. وربما يصح الشيء نفسه على القصة بأكملها: حين يعرف القارئ العربي أن الحكاية التي أحبها في ثوبها البرازيلي وُلدت أصلا تحت نافورة بيت بغدادي، فإنه لا يكتشف كنزا جديدا، بل يتعرف على بيته هو، بعد أن سافر بحثا عنه بعيدا.