عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
جيوسياسة

فكرة الكومنويلث الإسلامي: حلم قديم يستحق إعادة الاكتشاف

Abderahmane Hellal · 16 يونيو 2026
فكرة الكومنويلث الإسلامي: حلم قديم يستحق إعادة الاكتشاف

جامع آيا صوفيا في إسطنبول — رمز لعمق الحضارة الإسلامية وامتدادها عبر القارات

منظمة التعاون الإسلامي هي ثاني أكبر منظمة دولية في العالم بعد الأمم المتحدة. 57 دولة عضواً، أكثر من ملياري إنسان، وناتج محلي إجمالي بالقوة الشرائية يبلغ 30.25 تريليون دولار في 2024 (Wikipedia — Economy of the OIC, 2024). ومع ذلك، لا تتجاوز التجارة البينية بين أعضائها 19.2% من إجمالي صادراتهم — بينما يتبادل أعضاء الاتحاد الأوروبي البالغ عددهم 27 دولة نحو 64% من صادراتهم فيما بينهم.

هذه الهوّة بين الحجم والفاعلية هي بالضبط ما دفع مفكرين وسياسيين على مدى قرن ونيّف إلى طرح سؤال واحد: لماذا لا يكون هناك كومنويلث إسلامي؟

أبرز النقاط

  • في عام 2024، بلغ الناتج المحلي الإجمالي بالقوة الشرائية لدول منظمة التعاون الإسلامي مجتمعةً 30.25 تريليون دولار — مع ذلك لا تتجاوز تجارتها البينية 19.2% (COMCEC, 2025)
  • المفكر الجزائري مالك بنّابي هو أول من استخدم مصطلح “كومنولث إسلامي” بالعربية، في كتابه عام 1958
  • في 1961، اقترح رئيس الوزراء الماليزي تونكو عبدالرحمن نموذجاً حكومياً فعلياً، أفضى فشله إلى تأسيس منظمة التعاون الإسلامي عام 1969 بدلاً منه
  • الاتحاد الأوروبي بـ27 دولة يمتلك ناتجاً اسمياً (19.4 تريليون دولار) يفوق ناتج 57 دولة إسلامية (9.43 تريليون دولار) — الفارق في التكامل لا في الحجم

من أين جاءت فكرة الكومنويلث الإسلامي؟

ليست هذه خيالاً أكاديمياً عقيماً — بل هي مشروع فكري امتدّ عبر خمسة أجيال. في أواخر القرن التاسع عشر، أسّس جمال الدين الأفغاني لمفهوم الوحدة السياسية الإسلامية، مجادلاً بأن القومية العرقية ستمزّق العالم الإسلامي إلى شظايا يستطيع الاستعمار ابتلاعها واحدة واحدة. ثم جاء علامة إقبال في الثلاثينيات ليضع الإطار الفلسفي — كومنويلثٌ قائم على “وحدة المُثُل الدينية والسياسية”، لا على الجنس أو اللغة (إقبال، إعادة بناء الفكر الديني في الإسلام, 1930).

لكن أدقّ لحظة في هذا التاريخ تبقى عام 1958، حين كتب المفكر الجزائري مالك بنّابي كتابه “فكرة كومنولث إسلامي” — أول استخدام صريح للمصطلح بالعربية، وأول محاولة لبناء إطار نظري متكامل لهذا المشروع (مالك بنّابي، فكرة كومنولث إسلامي، دمشق، 1958؛ انظر أيضاً MDPI Religions, 2023).

ما يجعل بنّابي مختلفاً عن سابقيه أنه لم يدعُ إلى وحدة عاطفية فحسب. دعا إلى اتحاد ديمقراطي للأمم المسلمة يُعالج ما أسماه “قابلية الاستعمار” — الأسباب الداخلية التي تجعل المجتمعات عرضة للسيطرة الخارجية. وتعمّد ترك التفاصيل الهيكلية مفتوحة للبحث المتخصص، لأنه كان يعلم أن الفكرة أهم من التصميم.

المحاولة الحكومية الأجرأ: تونكو عبدالرحمن 1961

جامع الشيخ زايد في أبوظبي — رمز التعاون الإسلامي عبر الحدود الجغرافية

في مارس 1961، أطلق رئيس وزراء ماليزيا تونكو عبدالرحمن أكثر المقترحات الحكومية جدية: كومنويلث مسلم صريح النموذج، مستلهَم من الكومنويلث البريطاني. وصفه بأنه “رابطة حرة بين دول مسلمة ذات سيادة” لمواجهة التخلف وإرث الاستعمار — حسب ما وثّقته مجلة كامبريدج للتاريخ العالمي في دراسة نُشرت عام 2025.

فلماذا انهار المقترح؟ أسباب تتكرر حتى اليوم:

العامل العربي

الدول العربية تجاهلت قيادة رجل غير عربي من جنوب شرق آسيا. القيادة الرمزية — من يتصدّر المشهد — كانت قضية معطّلة قبل أن تبدأ المفاوضات.

تنافس المشاريع

السعودية ومصر وباكستان لكل منها رؤيتها للقيادة الإسلامية. ثلاثة مشاريع موازية، صفر تنسيق.

السياسة الداخلية

اضطرابات كوالالمبور العرقية عام 1969 أسقطت تونكو سياسياً قبل أن يتمكن من بناء زخم دولي كافٍ.

ومع ذلك لم يذهب جهده هباءً. مؤتمر كوالالمبور الإسلامي في أبريل 1969 الذي نظّمه أفضى مباشرة إلى تأسيس منظمة التعاون الإسلامي في الرباط بعد خمسة أشهر. وأصبح تونكو أول أمين عام لها — تسوية بالمنصب بدلاً من تحقيق الحلم الأكبر.

مسيرة قرن ونصف: من الفكرة إلى المؤسسة أبرز المقترحات للكومنويلث الإسلامي (1880–2024) 1880 الأفغاني 1930 إقبال 1958 بنّابي "كومنولث إسلامي" 1961 تونكو 1969 تأسيس منظمة التعاون 1996 أربكان D-8 2024 أردوغان إعلان بانجول
المصدر: Cambridge Journal of Global History (2025) · MDPI Religions (2023) · Wikipedia — Pan-Islamism

المفارقة الاقتصادية: قوة بلا تكامل

في عام 2024، بلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لدول منظمة التعاون الإسلامي 9.43 تريليون دولار، فيما بلغت حصتها من الناتج العالمي 9.49% — مقابل 17.79% بالقوة الشرائية (Wikipedia — Economy of the OIC, 2024). هذه أرقام تُلهم. لكنها تُخفي مفارقة صارخة: الاتحاد الأوروبي، بسبع وعشرين دولة فحسب و450 مليون نسمة، يمتلك ناتجاً اسمياً يبلغ 19.4 تريليون دولار (Eurostat, 2024) — ضعف ناتج العالم الإسلامي تقريباً. كيف؟

مقارنة اقتصادية: الناتج الاسمي 2024 (تريليون دولار) منظمة التعاون الإسلامي · الكومنويلث · الاتحاد الأوروبي منظمة التعاون (57 دولة) $9.43T الكومنويلث (56 دولة) $14.2T الاتحاد الأوروبي (27 دولة) $19.4T السكان: منظمة التعاون 2.04 مليار · الكومنويلث 2.77 مليار · الاتحاد الأوروبي 0.45 مليار Wikipedia OIC Economy 2024 · Commonwealth Trade Review 2024 · Eurostat 2024
الاتحاد الأوروبي بنصف عدد الدول الإسلامية تقريباً يمتلك ضعف الناتج الاسمي — الفارق في التكامل لا في الحجم

الأرقام الأكثر إثارة ليست في الناتج الكلي — بل في نسب التجارة البينية. يتبادل أعضاء الاتحاد الأوروبي نحو 64% من صادراتهم داخلياً، فيما لا تتجاوز هذه النسبة 19.2% بين أعضاء منظمة التعاون الإسلامي في 2024 (OIC Economic Outlook 2025، COMCEC). وضعت المنظمة هدفاً برفعها إلى 25% بحلول 2025، غير أن 27 دولة فقط من أصل 57 تجاوزت هذه العتبة فعلياً (SESRIC، OIC Economic Outlook 2024).

نسبة التجارة البينية (% من إجمالي الصادرات) الاتحاد الأوروبي 64% منظمة التعاون الإسلامي 19.2% الكومنويلث ~17% هدف منظمة التعاون 25% COMCEC 2025 · Eurostat · Commonwealth Trade Review 2024
الفجوة بين 19.2% و64% هي الرهان الحقيقي لأي مشروع تكامل إسلامي

لماذا التجارة البينية متدنية رغم الحجم؟

أسباب هذا التدني متشابكة، لكنها ليست غامضة:

غياب البنية التحتية المشتركة

لا نظام دفع موحّد بين معظم دول العالم الإسلامي، ولا منطقة تجارة حرة شاملة تغطي الـ57 دولة. معظم التبادل التجاري يسير عبر الدولار وشبكات مصرفية غربية.

تنافس الجغرافيا

الدول الأعضاء موزعة على أربع قارات. تجارتها الطبيعية تتجه نحو جيرانها الجغرافيين — أوروبا وآسيا والصين — لا نحو شركائها في المنظمة.

الفجوة في مستويات التنمية

الناتج المحلي للفرد داخل المنظمة يتراوح بين 68,977 دولاراً في قطر وأقل من 700 دولار في أفقر الأعضاء (Wikipedia — Economy of the OIC, 2024). هذا التفاوت الهائل يُصعّب بناء سوق مشتركة متكافئة.

الخطاب بلا آليات

كما لاحظ محللون لقناة الجزيرة، “الخطاب لا يترجم دائماً إلى فعل”. قمة بانجول 2024 أصدرت إعلاناً حول “الوحدة والتضامن من خلال الحوار” — دون ترتيبات مؤسسية ملزمة جديدة (OIC Official — 15th Islamic Summit, 2024).

هل يُعيد أردوغان طرح الكومنويلث الإسلامي؟

قرأت “فكرة كومنولث إسلامي” لمالك بنّابي منذ سنوات، وظلّ سؤاله معي: هل يمكن لأمة بهذا الحجم أن تُنظّم نفسها دون أن تتخلى عن سيادتها؟ الإجابة التي وصلت إليها: نعم — لكن ليس بالطريقة التي جُرّبت حتى الآن.

في 2016، طالب أردوغان من منصة القمة الإسلامية الثالثة عشرة في إسطنبول بتحويل منظمة التعاون الإسلامي من هيئة تصريحية إلى منظمة “فعّالة”. وفي 2024، جدّد نداءاته مطالباً بإنشاء محكمة تحكيم دولية إسلامية، ومجلس للمرأة، ومركز للتعاون الشرطي، وإصلاح مجلس الأمن لتمثيل الدول الإسلامية (SETA — Erdogan’s Call and the Future of the OIC, 2024). هذه إصلاحات جزئية مهمة، لكنها تبقى دون مستوى رابطة تبادلية ملزمة بالمعنى الذي رأى إليه بنّابي وتونكو.

المقترح الجذري — الكومنويلث بمعناه الكامل — غائب حتى الآن عن الخطاب الرسمي لأي دولة. السؤال هو: ما الذي تغيّر في السياق الدولي ليجعل هذا الطرح أكثر واقعية اليوم؟

نقوش هندسية إسلامية في مسجد شاه علام بماليزيا — حيث انطلق أكثر المقترحات الحكومية جدية للكومنويلث الإسلامي عام 1961

ما الذي يجعل الكومنويلث الإسلامي ممكناً اليوم؟

رغم كل الإحباطات التاريخية، ثمة عوامل تجعل النقاش أجدى من أي وقت مضى:

الاقتصاد الرقمي يُسقط الجغرافيا. نصف عقبات التكامل القديمة كانت مادية. اليوم، المدفوعات الرقمية والتمويل الإسلامي وسلاسل التوريد المرنة تُقلّص هذه العوائق بشكل حقيقي. في عام 2024، تجاوز حجم التمويل الإسلامي العالمي 3 تريليونات دولار — مُسجّلاً نمواً بمعدل 10% سنوياً (IFSB، Islamic Financial Services Industry Stability Report 2024) — وهو ربما أنجح أشكال التكامل الإسلامي العملي حتى الآن.

تحولات الجيوسياسة تُعيد رسم الخريطة. صعود الجنوب العالمي ومجموعة بريكس، وتراجع الهيمنة الغربية على مؤسسات بريتون وودز، يفتحان مساحة لتكتلات بديلة لم تكن ممكنة في التسعينيات.

الجيل الجديد يفكّر بشبكات لا بدول. الشباب المسلم في إندونيسيا ونيجيريا وتركيا وماليزيا يتشارك نقاشات ومنصات ومخاوف — قبل أن يتفق قادتهم على أجندة مشتركة. الشبكة تسبق المؤسسة.

لكن هذا يُعيدنا إلى السؤال الجوهري: هل المشكلة في الأدوات، أم في الإرادة السياسية؟

وجهة نظر: الشبكة تسبق المؤسسة

لا أعتقد أن الكومنويلث الإسلامي يحتاج إلى علم مشترك وطابع بريدي موحّد كي يكون فكرة جديرة بالجدية. المشروع الفعلي — كما رأى بنّابي وتونكو — هو تحويل الكتلة إلى شبكة: للتجارة والتعليم والتمويل والتكنولوجيا. شبكة تسبق المؤسسة ولا تنتظرها.

والدليل التاريخي موجود: كل محاولة انتظرت الإذن السياسي فشلت. المحاولة الأنجح — منظمة التعاون الإسلامي نفسها — بدأت في مؤتمر شعبي نظّمه تونكو، ثم تحوّلت إلى هيئة رسمية. الترتيب كان دائماً: الشبكة أولاً، المؤسسة لاحقاً.

“فكرة كومنولث إسلامي” كما كتبها بنّابي عام 1958 لم تُقرأ بما تستحق بعد. ربما حان وقتها.


أسئلة شائعة

ما الفرق بين “الكومنويلث الإسلامي” ومنظمة التعاون الإسلامي؟

منظمة التعاون الإسلامي هيئة تشاورية دولية، قراراتها غير ملزمة وتقتصر على البيانات والتوصيات. الكومنويلث الإسلامي — بمعنى بنّابي وتونكو — رابطة تبادلية أعمق تشمل اتفاقيات تجارة حرة وآليات تعاون اقتصادي وقانوني فعلية، على غرار الكومنويلث البريطاني (56 دولة، 2.77 مليار نسمة).

هل هو مشروع ديني أم اقتصادي؟

في أصله الفكري، هو مشروع تنموي وسياسي استند إلى الهوية المشتركة لا إلى الشريعة بوصفها نظاماً حكومياً. بنّابي حرص على تمييزه عن مشروع الخلافة الديني. الفكرة أقرب إلى نموذج الاتحاد الأوروبي — وحدة المصالح أولاً، ثم الأطر المشتركة.

هل ثمة نماذج جزئية ناجحة للتكامل الإسلامي؟

نعم. مجموعة D-8 التي أسسها أربكان عام 1996 حافظت على وجودها رغم محدودية أثرها. ومنظمة التعاون الاقتصادي (ECO) تجمع عشر دول ذات أغلبية مسلمة في تكامل إقليمي (ECO Secretariat). والتمويل الإسلامي بحجم 3 تريليونات دولار (IFSB، 2024) هو أنجح أشكال التكامل الإسلامي العملي حتى اليوم.

لماذا لم تتحوّل منظمة التعاون الإسلامي إلى كومنويلث فعّال؟

أسباب بنيوية ثلاثة: غياب قوة محورية مهيمنة واضحة تقود المشروع — تعارض مصالح الأعضاء الكبار (السعودية وتركيا وإيران وإندونيسيا وباكستان) — وأخيراً، غياب الاتفاق على رؤية مشتركة للتكامل تتجاوز التوافق الديني العام إلى ترتيبات اقتصادية ملزمة.

ما أكثر الخطوات العملية واقعية نحو الكومنويلث الإسلامي؟

وفق تحليل COMCEC في التقرير الاقتصادي لمنظمة التعاون الإسلامي 2025، رفع حصة التجارة البينية إلى 25% يتطلب: تيسير الوصول إلى أسواق رأس المال، وتطوير بنية تحتية للمدفوعات الرقمية بين الدول الأعضاء، وتقليص الحواجز غير الجمركية. أهداف تقنية قابلة للتحقق — لا تحتاج إلى تحولات دستورية أو إعلانات سياسية كبرى.


الخلاصة

منذ جمال الدين الأفغاني إلى مالك بنّابي إلى تونكو عبدالرحمن إلى أردوغان، ظلّت الفكرة حية لأنها تحمل إجابة لسؤال حقيقي: كيف تستثمر أمة بحجم ملياري إنسان طاقتها المشتركة؟

المفارقة الحقيقية ليست في أن الكومنويلث الإسلامي لم يُؤسَّس بعد — بل في أن الكتلة الموجودة، منظمة التعاون الإسلامي، تملك جميع الموارد الضرورية وتفتقر إلى آلية لتحويلها إلى ناتج مشترك. الطريق من 19% إلى 64% لن يُختصَر في قمة واحدة. لكن الاعتراف بأن هذه الهوّة موجودة وقابلة للتضييق هو البداية الحقيقية.

“فكرة كومنولث إسلامي” — ربما حان وقتها.


عبد الرحمان هلال — مهتم بجيوسياسة العالم الإسلامي والفكر التنموي العربي.


المصادر


قد يعجبك أيضاً