يعرف كثير من الناس زهرة الآذريون، أو الكاليندولا (Calendula officinalis)، من مرهم برتقالي في صيدلية البيت يوضع على حرق خفيف أو تشقق في الجلد. لكن قلّة يعرفون أن بتلاتها تؤكل، وأنها سُمّيت «زعفران الفقراء» لأنها تمنح الأرز والحساء لونا ذهبيا بثمن زهيد. وفي صيف 2026 نشرت مجلة Applied Sciences مراجعة علمية من جامعة فروتسواف في بولندا ترشّح الآذريون مكوّنا في «الأغذية الوظيفية» (functional foods)، أي الأطعمة التي يُنسب إليها نفع صحي يتجاوز التغذية (Owczarek & Harasym, 2026). الخبر مغرٍ، والزهرة جميلة، لكن السؤال الذي يطرحه طالب الطب هنا بسيط: ما الذي جُرّب على الإنسان فعلا، وأين؟
سمعة الآذريون الطبية جاءت من الجلد لا من المعدة
قبل الحديث عن الطبق، من المفيد أن نعرف من أين جاءت سمعة الآذريون. أغلبها جاء من استعماله على الجلد. فالوكالة الأوروبية للأدوية قبلت مستحضرات زهرته لعلاج التهابات الجلد البسيطة كحروق الشمس، وللمساعدة في التئام الجروح الصغيرة، ولالتهابات الفم والحلق. ولم تبنِ ذلك على تجارب سريرية قوية، بل على «الاستعمال التقليدي»، وهي صيغة تعني أن الفعالية معقولة وأن الاستعمال الآمن موثّق لثلاثين سنة على الأقل، مع اعتراف صريح بأن الأدلة السريرية غير كافية (EMA).
وحين اختُبر المرهم في تجارب حقيقية جاءت النتائج متضاربة، وهذا التضارب مفيد في ذاته. ففي تجربة فرنسية عشوائية على 254 مريضة بسرطان الثدي يخضعن للعلاج الإشعاعي، أصيبت 41% ممن استعملن مرهم الكاليندولا بالتهاب جلد إشعاعي (radiation dermatitis) من الدرجة الثانية فما فوق، مقابل 63% مع المرهم المرجعي (Pommier et al., 2004). ثم جاءت تجربة سويدية أكبر وأحكم تعمية، على 420 مريضة، فلم تجد فرقا يُذكر بين كريم الكاليندولا وكريم مرطّب عادي: 23% مقابل 19% (Sharp et al., 2013).
النتيجة الأولى لم تتكرر، فلا نستطيع أن نبني عليها. والأهم أن كلتا التجربتين اختبرتا مرهما على الجلد، والجلد شيء والأمعاء شيء آخر. فالمركّب الذي يلامس جرحا مباشرة لا يمرّ بالحمض المعدي ولا بإنزيمات الهضم ولا بالكبد، وكل محطة من هذه المحطات تغيّر الجزيء أو تتخلص منه.
ما في الزهرة كثير، وأرقامه تتفاوت كثيرا
المراجعة البولندية قامت على 76 منشورا علميا، وأول ما تقوله لافت: سُجّل في هذا النبات أكثر من 500 مستقلَب ثانوي (secondary metabolites)، منها الفلافونويدات والكاروتينات والتربينات والسكريات المتعددة. لكن ملخص الدراسة يذكّر بعد ذلك مباشرة بأن هذه الكميات تتغير بشدة مع الصنف وظروف الزراعة وجزء النبات وطريقة التحليل في المختبر.
خذ الكاروتينات مثلا، وهي الأصباغ البرتقالية نفسها الموجودة في الجزر. بحسب ملخص المراجعة، تتراوح القيم المنشورة بين نحو 48 و3510 ملغ لكل 100 غرام من الزهرة المجففة، أي فرق يقارب سبعين ضعفا. هذا رقم لا يصلح لبناء نصيحة غذائية، لأنه يخبرك أن «الآذريون» الذي في يدك قد لا يشبه الآذريون الذي حُلّل في المختبر. أما الفلافونويدات فتراوحت بين 0.21% و0.68% في عشرين صنفا أوروبيا، ووصلت إلى 1.7% في أصناف مختارة. وتحتوي الزهرة المجففة على ألياف غذائية تصل إلى 62 غراما في كل 100 غرام، معظمها غير ذائب.
ثم ننتقل إلى ما تسميه المراجعة «تطبيقات غذائية»: زبادي أضيف إليه مستخلص الزهرة، وخبز استُبدل جزء من مائه بنقيعها، ومعكرونة طازجة استُبدلت 5% من دقيقها بمسحوق البتلات. في هذه المنتجات ارتفعت «القدرة المضادة للأكسدة» وبقي الطعم مقبولا عند المتذوقين. ولاحظ ما الذي قيس هنا: لون المنتج وطعمه وثباته، ونشاط المستخلص في أنبوب اختبار. لم يُقَس سكر الدم ولا الالتهاب ولا أي مؤشر في جسم إنسان أكل هذا الخبز.
«مضاد للأكسدة» في الأنبوب لا يعني في الجسم
أكثر عبارة تتكرر في أخبار الأغذية الوظيفية هي «نشاط مضاد للأكسدة» (antioxidant activity). في المختبر تُقاس عادة بتجربة كيميائية بسيطة: يوضع المستخلص مع جذر حر صناعي ملوّن، ويُراقَب كم يبهت اللون. والتجربة مفيدة لعالِم الأغذية الذي يريد أن يعرف هل سيتأكسد زيت المنتج ويزنخ قبل تاريخ انتهاء صلاحيته. لكنها لا تخبرنا تقريبا بشيء عن خلايا الإنسان.
السبب هو التوافر الحيوي (bioavailability). فكثير من الفلافونويدات يُمتص بنسبة ضئيلة، ثم يحوّله الكبد والبكتيريا المعوية إلى جزيئات أخرى قبل أن يصل إلى الدم. ويمكن تشبيه ذلك برسالة مكتوبة بخط جميل تمرّ على ثلاثة مترجمين قبل أن تصل: ما يصل في النهاية ليس الرسالة الأصلية. ولهذا لم تجتز مكملات مضادات الأكسدة، رغم نتائجها الباهرة في المختبر، اختبار التجارب الكبيرة على البشر؛ فمراجعة كوكرين التي جمعت تجارب على مئات آلاف المشاركين لم تجد أنها تطيل العمر، بل وجدت أن بعضها قد يزيد الوفيات (Bjelakovic et al., 2012).
والمراجعة نفسها صريحة في هذه النقطة. فكما نقل موقع News-Medical عن خلاصتها، لم تختبر أي دراسة سريرية أطعمة تحتوي على الآذريون بكميات يأكلها الناس فعلا، وما زال التوافر الحيوي لمركباته من داخل الطعام مجهولا. أما التأثيرات المضادة للالتهاب والتي تحمي الأعصاب، فمصدرها خلايا في أطباق مخبرية وقوارض. هذه أسباب وجيهة لمواصلة البحث، لكنها لا تكفي ليقال إن الزهرة «تقي» من شيء.
زعفران الفقراء في أسواقنا وحقولنا
للقب «زعفران الفقراء» وجه آخر يهم المستهلك العربي أكثر مما يهمه في أوروبا. فالزعفران الحقيقي، وهو مياسم زهرة (Crocus sativus)، من أغلى التوابل في العالم، ولهذا يُغشّ. وقد وضع فريق تشيكي الآذريون في قائمة النباتات التي تُستعمل لتخفيف مسحوق الزعفران أو استبداله، إلى جانب العصفر والكركم وقشر الرمان، وطوّر طريقة تكشف إضافة لا تتجاوز 1% منها (Ryparova Kvirencova et al., 2023). بتلات الآذريون المجففة لا تضرّ من يشتريها، لكنها تخدعه حين تُباع له على أنها زعفران.
وللآذريون أقارب برّية في شمال إفريقيا. فقد درس باحثون من جامعة تلمسان الآذريون البري (Calendula arvensis) في 18 موقعا من غرب الجزائر، ووجدوا أن تركيب زيته العطري يتغير بحسب مكان القطف، وأن مستخلصه المائي أبطأ نمو العفن على ثمار الإجاص في المختبر (Belabbes et al., 2017). هذا يجعل النبات مرشحا معقولا لحفظ الأغذية طبيعيا، وهو مجال أقرب إلى صناعة الغذاء منه إلى الطب.
وهناك تفصيل أخير تنساه العناوين. الآذريون من الفصيلة النجمية (Asteraceae)، فصيلة البابونج والأرنيكا والأقحوان، وهي فصيلة معروفة بقدرتها على إثارة الحساسية. ففي فحص رقعي لـ443 مريضا في عيادة جلدية نمساوية، تفاعل نحو 2% منهم مع الآذريون (Reider et al., 2001). ثم إن كلمة «marigold» في الإنجليزية تُطلق أيضا على جنس آخر هو القطيفة (Tagetes)، فإذا قرأت خبرا عن «زهرة المريغولد» فابحث عن الاسم اللاتيني قبل أن تستنتج شيئا.
في المرة القادمة التي يمرّ بك فيها عنوان من نوع «زهرة تحارب الالتهاب»، جرّب أن تسأل ثلاثة أسئلة: هل أكلها إنسان، وبأي كمية، وماذا قيس في جسمه بعد ذلك؟ الآذريون اليوم يجيب بثقة عن سؤال واحد فقط: هو يلوّن الطبق بلا شك، أما أثره في الجسم فلم يُقَس بعد.
هذا المقال للتثقيف وليس بديلا عن استشارة الطبيب.
الصورة: Ermell / Wikimedia Commons، CC BY-SA 4.0