عبد الرحمان هلال

الطب · العلوم · التأمل
طب

القهوة التي جعلت شاربيها أكثر اندفاعا

Abderahmane Hellal · 8 أكتوبر 2026

في الجزائر يبدأ اليوم بفنجان قهوة، وكثيرا ما يُقاس عليه المزاج: «ما شربتش قهوتي». وفي ربيع 2026 بدا أن العلم جاء ليؤكد ذلك، إذ انتشر خبر يقول إن القهوة، بكافيين أو من دونه، تخفّف التوتر وتحسّن المزاج عبر بكتيريا الأمعاء. أصل الخبر دراسة من جامعة كورك في أيرلندا نُشرت في مجلة Nature Communications عن أثر القهوة في ما يسمّى «محور الميكروبيوم والأمعاء والدماغ» (microbiota–gut–brain axis) (Boscaini et al., 2026). لكن من يفتح الدراسة نفسها يقرأ في ملخّصها جملة لم تصل إلى العناوين: شاربو القهوة كانوا أكثر اندفاعا (impulsivity) وأشدّ تفاعلا عاطفيا من غير شاربيها، وغير الشاربين كانت ذاكرتهم أفضل.

اثنان وستون شخصا وثلاث مراحل

لنبدأ بتصميم الدراسة، لأن كل شيء بعده يتوقف عليه. جمع الباحثون 31 شخصا يشربون القهوة بانتظام، بين ثلاثة وخمسة فناجين في اليوم، و31 شخصا لا يشربونها أصلا، وكلهم بالغون أصحّاء. في المرحلة الأولى قارنوا بين المجموعتين: عيّنات براز وبول ودم، واستبيانات عن التوتر والاكتئاب والقلق والنوم، واختبارات للذاكرة والانتباه.

في المرحلة الثانية توقّف شاربو القهوة عنها أسبوعين كاملين. وفي الثالثة عادوا إليها مدة 21 يوما، لكن بالقرعة: 16 منهم شربوا قهوة عادية و15 شربوا قهوة منزوعة الكافيين، دون أن يعرفوا ولا أن يعرف الباحث المعني أيّها في الفنجان، وهذا ما يسمّى التعمية المزدوجة (double-blind). أما غير الشاربين فخرجوا من الدراسة بعد المرحلة الأولى.

انتبه إلى هذه التفصيلة الأخيرة، فسنعود إليها: في مرحلة العودة لم تكن هناك مجموعة ثالثة بقيت بلا قهوة. كل من في هذه المرحلة عاد إلى فنجان ما.

ماذا وُجد في الأمعاء

النتيجة الأوضح كانت في الميكروبيوم، وهي الهدف الأول الذي صُمّمت الدراسة لقياسه. كانت أمعاء شاربي القهوة أغنى بنوعين من البكتيريا هما Eggerthella وCryptobacterium، وأفقر ببعض النواتج التي تصنعها البكتيريا من الطعام، منها حمض الإندول-3-بروبيونيك (indole-3-propionic acid) وناقل عصبي معروف هو حمض غاما أمينوبيوتيريك (GABA). وحين توقّفوا عن القهوة عاد جزء من هذه الفروق إلى الوراء، ثم تحرّك من جديد عند العودة، بالكافيين ومن دونه.

هذا ليس غريبا. فالقهوة ليست كافيين فقط، بل خليط من مئات المركّبات، منها البوليفينولات وأحماض الكلوروجينيك، وكثير منها لا يُمتصّ في الأمعاء الدقيقة، فيصل إلى القولون حيث تأكله البكتيريا. وقد وجد تحليل لبيانات قرابة 23 ألف شخص في الولايات المتحدة وبريطانيا أن بكتيريا اسمها Lawsonibacter asaccharolyticus تكثر في أمعاء شاربي القهوة كثرة واضحة، حتى إن وجودها يكاد يكشف إن كان صاحبها يشرب القهوة أم لا (Manghi et al., 2024).

لكن تغيّر البكتيريا شيء، وتغيّر الصحة شيء آخر. لا نعرف بعد إن كانت زيادة Eggerthella نافعة أو ضارة أو بلا أثر، فالبكتيريا نفسها قد تفعل الشيء ونقيضه حسب البيئة التي تعيش فيها. ما أثبتته الدراسة أن القهوة تغيّر ساكني الأمعاء، لا أن هذا التغيير يحسّن المزاج.

العنوان الذي أسقط نصف النتائج

نعود إلى المزاج. في المقارنة الأولى ظهر شاربو القهوة أكثر اندفاعا وتفاعلا عاطفيا، وظهر غير الشاربين أفضل ذاكرة. وفي فترة التوقّف تحسّن انتباه شاربي القهوة وقلّ اندفاعهم. ثم عند العودة انخفض التوتر المُبلَّغ عنه وأعراض الاكتئاب والاندفاع في المجموعتين معا، وانخفض القلق في مجموعة الكافيين وحدها. من هذه المرحلة الأخيرة وُلد العنوان الذي قرأه الناس، كما نقل موقع News-Medical.

هنا تكمن المشكلة المنهجية. حين يعود شخص اعتاد القهوة سنوات إلى فنجانه بعد أسبوعين من الحرمان، ثم يتحسّن مزاجه، فهناك أكثر من تفسير. قد تكون القهوة حسّنته فعلا، وقد يكون مجرّد عودة العادة والطقس اليومي، وقد يكون توقّعه هو، فالمشارك يعرف أنه يشرب قهوة حتى لو لم يعرف نوعها. والمقارنة الوحيدة التي تفصل بين هذه الاحتمالات هي مجموعة تبقى بلا قهوة في الفترة نفسها، ولم تكن موجودة.

أعراض انسحاب الكافيين (caffeine withdrawal) نفسها موثّقة جيدا: صداع وتعب وانخفاض في المزاج وصعوبة في التركيز وسرعة غضب، تبدأ عادة بعد 12 إلى 24 ساعة من آخر فنجان، وتستمر من يومين إلى تسعة أيام (Juliano & Griffiths, 2004). من الإنصاف أن نقول إن أسبوعين من التوقّف أطول من هذه المدة، وهذا من نقاط قوة التصميم. لكن الكافيين ليس كل ما يتعوّده الإنسان في فنجانه.

والباحثون أنفسهم كانوا أكثر حذرا من العنوان. فقد كتبوا أن الدراسة قد لا تملك القوة الإحصائية الكافية لرصد الآثار الصغيرة والمتوسطة في كل ما عدا الهدف الأول، أي الميكروبيوم. بعبارة أخرى، نتائج المزاج والذاكرة مع 15 و16 شخصا في كل مجموعة أقرب إلى إشارات تستحق دراسة أكبر منها إلى نتائج.

من دفع ثمن الفنجان

في آخر الدراسة، في قسم الشكر، سطر يمرّ عليه أغلب القرّاء: الدراسة مموّلة من «معهد المعلومات العلمية عن القهوة» (ISIC)، وهو هيئة متخصصة في القهوة والصحة، يقول موقعها إن القهوة المعتدلة «قد تسهم في نظام غذائي صحي متوازن» (ISIC). أي أن الجهة الممولة لها موقف معلن من السؤال قبل أن تبدأ الدراسة. هذا لا يعني أن النتائج مزوّرة، والبيانات منشورة والمجلة محكّمة. لكنه يعني أن نقرأ بعين أيقظ. فمراجعة كوكرين التي جمعت عشرات المقارنات وجدت أن الدراسات التي تموّلها الشركات تنتهي إلى نتائج واستنتاجات في صالح المنتج أكثر من الدراسات المستقلة، حتى حين لا يبدو في منهجها عيب ظاهر (Lundh et al., 2017). صحيح أن تلك المراجعة تخصّ الأدوية والأجهزة الطبية، لكن الآلية نفسها، أي اختيار الأسئلة وطريقة عرض النتائج، تنطبق على الغذاء.

ويظهر هذا في الصياغة. فالبيان الصحفي ركّز على تحسّن المزاج عند العودة إلى القهوة، ولم يذكر أن شاربيها كانوا في الأصل أكثر اندفاعا، مع أن الجملتين في ملخّص الدراسة نفسه.

فنجاننا في الجزائر

لهذا كله معنى خاص عندنا. فالجزائر، حسب تقرير المنظمة الدولية للقهوة لسنة 2023، ثاني أكبر مستهلك للقهوة في إفريقيا بعد إثيوبيا (Algérie360). والقهوة عندنا مرتبطة بالضيافة وبالمقهى وبالعمل، وتصل أخبار من نوع «القهوة تحمي الدماغ» إلى جمهور واسع يحبّ أن يصدّقها.

والصورة العامة عن القهوة مطمئنة إلى حدّ ما. فأكبر مراجعة جامعة لعشرات التحاليل التجميعية وجدت أن الاستهلاك المعتدل للقهوة يرتبط بانخفاض في الوفيات وفي أمراض القلب وبعض الأمراض المزمنة أكثر مما يرتبط بالضرر، مع استثناءات واضحة: الحمل، وخطر الكسور عند النساء (Poole et al., 2017). لكن كلمة «يرتبط» تعني أن أغلب هذه النتائج من دراسات رصدية، ومن يشرب القهوة يختلف عمّن لا يشربها في أشياء كثيرة غير القهوة.

الدراسة الأيرلندية أضافت شيئا حقيقيا: القهوة تترك أثرا قابلا للقياس في بكتيريا الأمعاء، وبعضه لا علاقة له بالكافيين. أما القفز من هنا إلى «القهوة علاج للتوتر» فخطوة لم تخطها الدراسة. ربما يكون السؤال الأصدق الذي تطرحه علينا: حين نشعر بالراحة مع أول رشفة في الصباح، هل تهدّئنا القهوة، أم تُسكت حاجة صنعتها هي؟

هذا المقال للتثقيف وليس بديلا عن استشارة الطبيب.

الصورة: Shixart1985 / Wikimedia Commons, CC BY 2.0


قد يعجبك أيضاً

الشربة التي لا تكفي طب

الشربة التي لا تكفي

أكثر من نصف المسنين في دراسة أمريكية على 5062 شخصا يعيشون على الشربة والعصائر والأطعمة الليّنة، بأقل حصة من البروتين. لماذا يهدد الطعام السهل عضلات كبار السن، ومتى يكون الصحن الليّن غذاء كاملا.

اقرأ المزيد
حليب الإبل بين الدواء والحمّى طب

حليب الإبل بين الدواء والحمّى

حليب الإبل خفّض السكر التراكمي في تجارب صغيرة على مرضى السكري، لكن عيّناته النيّئة تحمل السالمونيلا والحمى المالطية. لماذا لا تحتاج الفائدة المحتملة إلى الحليب النيّئ، وما قصة بريون الإبل في ورقلة.

اقرأ المزيد
عصير الطماطم الذي لم يتفوّق طب

عصير الطماطم الذي لم يتفوّق

تجربة على 12 بالغا مصابين بالسمنة قيل إن عصير الطماطم والصوجا خفّض فيها الالتهاب. لكن المقارنة مع عصير الطماطم العادي لم تُظهر فرقا. كيف تقرأ تجربة غذائية، ولماذا تمتص الطماطم المطبوخة أفضل؟

اقرأ المزيد