عبد الرحمان هلال

الطب · العلوم · التأمل
طب

حليب الإبل بين الدواء والحمّى

Abderahmane Hellal · 9 أكتوبر 2026

في دراسة شملتها مراجعة علمية نُشرت هذا العام، جاءت 43% من عيّنات حليب الإبل إيجابية لبكتيريا السالمونيلا. الرقم نفسه يصدم أكثر حين تتذكر أن كثيرين في مجتمعات الصحراء، من جنوبنا الجزائري إلى الخليج، يرون أن حليب الناقة يُشرب دافئا كما خرج من الضرع، وأن الغلي “يقتل بركته”. والمراجعة نفسها التي تحذّر من الحليب النيّئ تعرض أدلة على أن حليب الإبل (Camelus dromedarius) قد يساعد على ضبط سكر الدم عند مرضى السكري من النوع الثاني. السؤال الذي يهمّ القارئ إذن ليس “هل حليب الإبل مفيد؟”، بل: هل يحتاج نفعه المحتمل إلى أن يكون نيّئا؟

ما تقوله مراجعة 2026 عن حليب الإبل والسكري

المراجعة نشرها غيتاشو بيريدا وزميلاه في مجلة Food Science & Nutrition في مارس 2026، كما نقل موقع News-Medical. وهي مراجعة سردية (narrative review)، أي أن مؤلفيها جمعوا دراسات منشورة بين 2000 و2025 ولخّصوها وصفيا، دون حساب إحصائي يجمع نتائجها في رقم واحد. وخليطها واسع: تجارب على البشر، ودراسات على الفئران، وتجارب على خلايا في أطباق المختبر.

أقوى ما فيها يتعلق بالسكري. من أبرز التجارب التي تذكرها دراسة على 60 مريضا بالسكري من النوع الثاني، أضاف نصفهم حليب الإبل النيّئ إلى أدويتهم ثلاثة أشهر. انخفض سكر الصيام عندهم من 9.89 إلى 6.13 مليمول/لتر، ونزل السكر التراكمي (HbA1c) من 9.44% إلى 6.61%. هذا انخفاض بنحو ثلاث نقاط كاملة في ثلاثة أشهر، وهو أكبر مما تحققه أدوية كثيرة مرخّصة. وحين تكون النتيجة أجمل من المعتاد، فهي تحتاج إلى من يكررها قبل أن نبني عليها شيئا.

أما الآلية المقترحة فتبدأ من بروتين شبيه بالإنسولين وُجد في حليب الإبل بتركيز يقارب 52 ميكرووحدة في المليلتر، حسب المراجعة. هنا يجب التوقف: الإنسولين بروتين، والمعدة تهضم البروتينات، ولهذا يُحقن الإنسولين ولا يُبلع. كيف يمكن لإنسولين الحليب أن يصل إلى الدم سليما؟ هناك فرضيات عن تركيب خاص يحميه من الهضم، لكنها تبقى فرضيات. ويذكر المؤلفون أنفسهم ضمن حدود الأدلة صغر العيّنات، وغياب التعمية في بعض التجارب، وقصر مدة المتابعة.

التحليل التجميعي يُهدّئ الحماس قليلا

الدراسة الواحدة تشبه شاهدا واحدا في محكمة. لذلك نلجأ إلى التحليل التجميعي (meta-analysis)، الذي يجمع التجارب العشوائية المضبوطة في حساب واحد. في 2022 جمع فريق قاده باحثون من الأردن والإمارات 14 تجربة عشوائية شارك فيها 663 مريضا. النتيجة: انخفض السكر التراكمي بمتوسط 1.24 نقطة عند من شربوا حليب الإبل مقارنة بالرعاية المعتادة، وانخفضت جرعات الإنسولين التي احتاجها المرضى. أما سكر الصيام فلم يبلغ انخفاضه حد الدلالة الإحصائية.

لكن في الورقة رقما يستحق الوقوف عنده: درجة التباين (I²) بلغت 94%. معناه أن التجارب لا تقول الشيء نفسه بدرجات متقاربة، بل تتباعد نتائجها كثيرا، بعضها يُظهر أثرا كبيرا وبعضها لا يكاد يُظهر شيئا. عندها يصبح المتوسط أشبه بمتوسط درجات قسم فيه طلاب نالوا 19 وطلاب نالوا 4. ولهذا ختم الباحثون بأن حليب الإبل قد يكون “علاجا مساعدا” إلى جانب الأدوية، لا بديلا عنها، وطالبوا بتجارب أكبر.

وفي التجارب المحكمة يصغر الأثر عادة. في تجربة صينية مزدوجة التعمية أخذ 14 مريضا مسحوق حليب الإبل، وأخذ 13 مريضا مسحوق حليب البقر بديلا وهميا، لمدة أربعة أسابيع. انخفض سكر الصيام في المجموعة الأولى وتغيّرت بعض بكتيريا الأمعاء. هذه نتيجة مشجعة، لكنها على 27 شخصا ولمدة شهر واحد فقط.

والجملة الأهم في التحليل التجميعي جاءت في فقرة جانبية: الحليب الطازج والحليب المعالج، أي المبستر أو المخمّر، أعطيا أثرا متقاربا في خفض السكر التراكمي. إن كان النفع حقيقيا، فهو لا يحتاج إلى أن يكون الحليب نيّئا.

ما يحمله حليب الناقة النيّئ

في الجهة الأخرى من المراجعة جدول طويل بالبكتيريا التي وُجدت في حليب الإبل غير المبستر: السالمونيلا، والبروسيلا، والعطيفة (Campylobacter)، والمكورات العنقودية الذهبية. ويذكر المؤلفون أن التلوث يحدث غالبا أثناء الحلب والنقل والتخزين، لا داخل الضرع وحده. ومن بين ما يعرضونه تفشٍّ لداء البروسيلات (brucellosis) أصاب 15 فردا من عائلة بدوية واحدة في صحراء النقب، وثبت وجود البكتيريا في حليب ناقتهم.

داء البروسيلات هو ما نسمّيه في الجزائر “الحمى المالطية”. حمّى تأتي وتذهب، وتعرّق ليلي، وآلام في المفاصل قد تستمر شهورا. ويعرفه أطباء الجنوب والهضاب جيدا لأن مصدره الأول هو الحليب ومشتقاته غير المغلية.

وعندنا أيضا بيانات محلية. حلّلت دراسة من ولاية المسيلة 20 عيّنة من حليب الإبل النيّئ، فوجدت المكورات العنقودية فيها كلها. وكانت 87% من السلالات المعزولة مقاومة للبنسلين، ولم تكن إلا 6.66% منها حساسة لكل المضادات الحيوية المختبرة. العيّنة صغيرة، لكنها تكفي لتقول إن الحليب الذي يُباع على أنه “طبيعي” قد يحمل معه مقاومة للمضادات الحيوية.

ثم هناك فيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS-CoV)، الذي تنقله الإبل وحيدة السنام إلى البشر. تقول منظمة الصحة العالمية إن العدوى تحدث بالمخالطة المباشرة للإبل، وربما بتناول منتجاتها النيّئة كالحليب. وبلغت نسبة الوفيات بين الحالات المبلّغ عنها 37%. وتوصي المنظمة بأن تكون المنتجات الحيوانية مطبوخة أو مبسترة، لأن المعالجة الحرارية هي ما يجعلها آمنة.

ورقلة وسؤال لم يُجب عنه بعد

هناك تفصيل في المراجعة يمرّ عليه القارئ الأجنبي سريعا، لكنه يعنينا نحن مباشرة: “خطر البريونات”. البريونات (prions) بروتينات مشوّهة الطيّ، تُجبر البروتينات السليمة على التشوّه مثلها، فتثقب الدماغ ببطء حتى يصير كالإسفنج. وهي المسؤولة عن مرض جنون البقر.

في 2018 أعلن فريق جزائري إيطالي اكتشاف مرض بريوني لدى الإبل لأول مرة في التاريخ، في مسلخ ورقلة تحديدا. ظهرت أعراض توحي بالمرض على 3.1% من الإبل التي جيء بها للذبح بين 2015 و2016، وأكد التحليل وجود البريون في أدمغة ثلاثة منها، وفي أنسجتها اللمفاوية أيضا. وفي 2026 وُثّقت ست حالات أخرى في تطاوين بتونس، ما يعني أن المرض منتشر في شمال إفريقيا وليس حادثة معزولة.

لا يوجد حتى الآن ما يُثبت أن هذا البريون ينتقل إلى الإنسان، لا عبر الحليب ولا عبر اللحم. والمراجعة تصف خطر البريونات في الحليب بأنه منخفض. لكن الباحثين في ورقلة طالبوا بمراقبة عاجلة وتقييم للمخاطر على صحة الإنسان والحيوان. والأمانة تقتضي أن نقول: هذه فجوة في المعرفة، وليست تطمينا ولا تهويلا.

ما الذي تعلّمه الناقة لقارئ العناوين

العنوان الذي سيصلك على الأرجح هو “حليب الإبل يخفض السكر”. والعنوان الأدقّ أطول وأقل إثارة: تجارب صغيرة ومتباينة تشير إلى أثر مساعد محتمل على السكر، والحليب المبستر يبدو كافيا لتحقيقه، والحليب النيّئ يضيف مخاطر موثقة دون فائدة مثبتة.

وهذا درس يتجاوز الإبل. حين تقرأ عن “غذاء خارق”، اسأل ثلاثة أسئلة: على من أُجريت الدراسة، على خلايا أم فئران أم بشر؟ كم عدد المشاركين، وكم دامت التجربة؟ وهل جاءت الفائدة من الغذاء نفسه، أم من طريقة بعينها في تناوله يمكن الاستغناء عنها؟ ويبقى أن مريض السكري الذي يفكر في تغيير نظامه الغذائي يحتاج إلى طبيبه قبل أي مراجعة علمية، لأن خفض السكر فجأة مع الأدوية له مخاطره أيضا.

أجدادنا في الصحراء عرفوا قيمة الناقة قبل أي مجلة علمية، وعرفوا أيضا الحمّى التي تأتي من حليبها. والعلم اليوم لا يناقض ما عرفوه، بل يضيف إليه قِدرا على النار. فهل نستطيع أن نحتفظ بتقديرنا لهذا الحليب، ونتخلّى عن فكرة أن الغلي يُفسده؟

هذا المقال للتثقيف وليس بديلا عن استشارة الطبيب.

الصورة: Sammy Six / Wikimedia Commons, CC BY 2.0


قد يعجبك أيضاً

الشربة التي لا تكفي طب

الشربة التي لا تكفي

أكثر من نصف المسنين في دراسة أمريكية على 5062 شخصا يعيشون على الشربة والعصائر والأطعمة الليّنة، بأقل حصة من البروتين. لماذا يهدد الطعام السهل عضلات كبار السن، ومتى يكون الصحن الليّن غذاء كاملا.

اقرأ المزيد
عصير الطماطم الذي لم يتفوّق طب

عصير الطماطم الذي لم يتفوّق

تجربة على 12 بالغا مصابين بالسمنة قيل إن عصير الطماطم والصوجا خفّض فيها الالتهاب. لكن المقارنة مع عصير الطماطم العادي لم تُظهر فرقا. كيف تقرأ تجربة غذائية، ولماذا تمتص الطماطم المطبوخة أفضل؟

اقرأ المزيد