صحن شربة ساخن، وكسرة مبلولة فيه، وكأس لبن بعده. هذا عشاء مألوف في كثير من بيوتنا حين يكبر الجدّ وتتعب أسنانه، ونراه علامة رعاية: طعام دافئ، خفيف، سهل البلع. لكن دراسة نُشرت هذا العام في مجلة Public Health Nutrition تقترح أن الطعام الليّن قد يُخفي مشكلة. فقد حلّل الباحثون ما أكله 5062 أمريكيا تجاوزوا الستين، فوجدوا أن أكبر نمط غذائي بينهم، ويضم 53% منهم، يقوم على الحساء والعصائر والمشروبات الليّنة، وأنه سجّل أدنى استهلاك للطاقة وللبروتين بين الأنماط الخمسة (Sassine وآخرون، 2026). فهل تكفي الشربة وحدها لتغذية المسنّ؟
خمسة صحون على مائدة واحدة
اعتمد الفريق، من جامعة ميريلاند ووزارة الزراعة والمعهد الوطني للسرطان في الولايات المتحدة، على بيانات المسح الوطني للصحة والتغذية (NHANES) بين 2013 و2018. أجاب كل مشارك عن سؤال بسيط في ظاهره: ماذا أكلت وشربت في الأربع والعشرين ساعة الماضية؟ ثم وُزّعت إجاباتهم على 39 مجموعة غذائية، واستُعمل تحليل عنقودي (cluster analysis) يجمع الأشخاص المتشابهين في صحونهم دون فرضية مسبقة.
ظهرت خمسة أنماط. الأكبر هو “العصائر والسموذي والمشروبات الحبوبية والحساء”. يليه نمط اللحوم المصنّعة والسندويشات والحلويات المخبوزة (18%)، ثم نمط اللحوم والكحول والخبز السريع (11%)، ثم نمط الحبوب المطبوخة كالشوفان مع الزبادي (11%)، وأصغرها نمط “الأسماك والخضروات” (7%) الذي يشبه النظام المتوسطي.
قيس كل نمط بمؤشر الأكل الصحي (HEI-2020)، وهو مقياس من مئة نقطة يقارن الطعام بالتوصيات الأمريكية. حصل نمط الحبوب المطبوخة والزبادي على أعلى درجة (72.3)، وحصل نمط اللحوم المصنّعة والحلويات على أدناها (48.5). أما نمط الحساء والعصائر فجاء في الوسط بـ66 نقطة، أي أن جودته “مقبولة” على الورق. لكن المؤشر يقيس توازن مكونات الصحن ولا يقيس حجمه، ولهذا يمكن أن تكون جودة الطعام مقبولة وكميته أقل من الحاجة.
العضلة لا تُبنى من الماء الدافئ
هنا يبدأ الجزء الذي يهم طالب الطب. مع التقدم في العمر يفقد الجسم كتلته العضلية تدريجيا، فإذا بلغ الضعف حدا يقلّ فيه الأداء والقوة سمّيناه ضمور العضلات المرتبط بالسن أو الساركوبينيا (sarcopenia). ويعرّفه الإجماع الأوروبي المحدّث بأنه “فشل عضلي” يتراكم عبر العمر، وأوضح علاماته ضعف القوة قبل نقص الحجم (EWGSOP2، 2019). والمسنّ الذي تضعف عضلاته يسقط أكثر، ويفقد استقلاليته أسرع.
أشبّه العضلة عند المسن بورشة بناء قلّ عمالها: تحتاج إلى مواد أكثر لتنجز العمل نفسه. وهذا ما تقوله مجموعة PROT-AGE الأوروبية في توصياتها: كبار السن يحتاجون من البروتين أكثر مما يحتاجه الشباب، لأن استجابة عضلاتهم للبروتين تضعف مع العمر (anabolic resistance)، ولأن الأمراض المزمنة الشائعة في هذه السن تستهلك مزيدا منه. واستثنت المجموعة مرضى الكلى المتقدم غير الخاضعين للتصفية، فهؤلاء قد يحتاجون إلى تقليله (Bauer وآخرون، 2013). لهذا لا يحدد كمية البروتين المناسبة لمسنّ بعينه إلا طبيبه.
الدراسة الأمريكية لم تقس العضلات ولم تتابع المشاركين سنوات، فهي لا تثبت أن الحساء يذيب العضلات. لكنها تكشف أن أكثر من نصف المسنين يأكلون نمطا فيه أقل قدر من البروتين، وأن أصحاب هذا النمط سجّلوا ارتفاع ضغط الدم أكثر من أصحاب نمط الزبادي والحبوب (61.3% مقابل 50.2%)، وقيّموا صحتهم بأنها سيئة أكثر من أصحاب نمط الأسماك والخضروات (22.1% مقابل 14.3%).
ليست الأسنان وحدها
كان الباحثون يتوقعون أن يكون الطعام الليّن خيار من فقد أسنانه. لكن النتيجة خالفت توقعهم: الفروق في حالة الأسنان بين الأنماط كانت صغيرة، بل إن نمط الحبوب المطبوخة والزبادي، وهو ليّن أيضا، ضمّ نسبة أعلى ممن يملكون أسنانا وظيفية مقارنة بنمط الحساء والعصائر.
ما ميّز أصحاب الحساء والعصائر شيء آخر: تعليم أقل، ودخل أدنى، وانعدام أمن غذائي أكثر. والدراسة قاست هذا الانعدام بمقياسين، وهذه أذكى نقطة فيها. الأول اقتصادي: لا يملك المسن ثمن الطعام. والثاني جسدي: يملك ثمنه لكنه لا يقدر على حمل قفة السوق، أو الوقوف في المطبخ، أو تقطيع الخضر. بلغ الانعدام الاقتصادي في نمط الحساء 6.7% مقابل 2.9% في نمط الأسماك والخضروات، وبلغ الانعدام الجسدي 14.7%. أما المسنون الذين يعانون الاثنين معا فكانت نسبتهم 0.5% فقط في نمط الأسماك والخضروات.
معنى هذا أن الصحن الليّن قد يكون، عند كثيرين، نتيجة للعجز والفقر أكثر منه اختيارا صحيا. والطبيب الذي يقول لمسنّ “كُل سمكا وخضرا” دون أن يسأل من سيشتريها ومن سيطبخها، يقدّم نصيحة صحيحة لا تصل إلى الصحن.
شربتنا ليست شربتهم
ينبغي الحذر قبل نقل النتيجة إلى بيوتنا. الدراسة أمريكية، و”الحساء” في صحن أمريكي غالبا معلّب أو مرق خفيف، والعصائر فيها كثير من السكر الحر. أما الشربة الجزائرية بالفريك، أو الحريرة بالعدس والحمّص، فتحمل بقوليات وقليلا من اللحم، فهي أقرب إلى وجبة منها إلى مشروب دافئ. والمطبخ المغاربي يعرف أطعمة ليّنة غنية: الرايب واللبن، والبيض، والسردين المطهو الذي يُمضغ بسهولة. والباحثون أنفسهم يقترحون، لمن يعتمد على الطعام الليّن، أطعمة ليّنة غنية بالعناصر كالزبادي والبقوليات المهروسة وحساء الخضر الكثيف.
ومع ذلك، تظل الشربة التي تُطبخ للمسن بلا عدس ولا لحم، وتُشرب معها كأس عصير بدل الوجبة، صورة مألوفة. والمسألة ليست هامشية في منطقتنا: تتوقع منظمة الصحة العالمية أن يكون شخص من كل ستة في العالم قد تجاوز الستين بحلول 2030، وأن يعيش معظم المسنين مستقبلا في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط (WHO). وفي إفريقيا، قدّرت مراجعة منهجية شملت 36 دراسة من 11 بلدا أن نحو 18% من المسنين يعانون سوء التغذية، مع تفاوت كبير بين البلدان والأوساط (Seid وBabbel، 2022).
ما لا تقوله الدراسة
هذه دراسة مقطعية (cross-sectional): صورة واحدة في لحظة واحدة، لا فيلم. لا نعرف هل قلّ أكل المسن لأنه مرض، أم مرض لأنه قلّ أكله. وقد اعتمد التصنيف على يوم واحد من التذكّر الذاتي، والناس ينسون ما أكلوا ويقلّلون من تقديره. ثم إن أسماء الأنماط وضعها الباحثون بحسب أكثر ما يميّز كل مجموعة، فليس كل من وُضع في “نمط الحساء” يعيش على الحساء وحده.
لكن قيمتها في سؤالها أكثر من جوابها. فهي لم تسأل كعادة أبحاث التغذية “أي غذاء خارق يطيل العمر؟”، بل سألت: ماذا يأكل المسنون فعلا، ولماذا؟ وجوابها أن صحن الجد يتحدد بمحفظته وركبتيه ويديه قبل أن يتحدد بمعرفته الغذائية.
فحين نطبخ لكبارنا الشربة نفسها كل مساء، هل نسأل ماذا ينقص الصحن، أم نكتفي بأنه دافئ وسهل البلع؟
نُشر خبر الدراسة أولا على موقع News-Medical، والأرقام هنا من الورقة الأصلية المفتوحة.
هذا المقال للتثقيف وليس بديلا عن استشارة الطبيب.
الصورة: صحن حريرة، AxlsPacific / Wikimedia Commons, CC BY-SA 4.0