عبد الرحمان هلال

الطب · العلوم · التأمل
طب

عصير الطماطم الذي لم يتفوّق

Abderahmane Hellal · 6 أكتوبر 2026

كان المطلوب ثلاثين مشاركا، فجاءت جائحة كورونا وتوقف التسجيل عند ثلاثة عشر، أكمل منهم اثنا عشر. هذه تفاصيل لا تظهر في عنوان يقول إن عصير الطماطم والصوجا «يكبح الالتهاب لدى البالغين المصابين بالسمنة»، لكنها مكتوبة بأمانة داخل الورقة نفسها. والدراسة تستحق القراءة لا لأنها أثبتت شيئا كبيرا عن الطماطم (Solanum lycopersicum) والصوجا، بل لأنها تعلّم درسا يحتاجه كل من يقرأ خبرا غذائيا: الفرق بين «قبل وبعد» و«مقارنة بماذا».

تجربة مصمّمة بذكاء

أجرى فريق من جامعة ولاية أوهايو التجربة في مركز أبحاث التغذية التابع لوزارة الزراعة الأمريكية بين مارس ومايو 2019، ونُشرت نتائجها في مارس 2026 في مجلة Molecular Nutrition & Food Research (Sholola et al., 2026)، ثم نقلها موقع News-Medical. المشاركون خمس نساء وسبعة رجال، أعمارهم بين 30 و60 سنة، ومؤشر كتلة أجسامهم بين 30 و45، ولا يعانون من مرض مزمن معروف. والتجربة مسجّلة مسبقا في سجل التجارب السريرية (NCT03783013)، وهذا وحده علامة جدية.

شرب كل مشارك علبتين يوميا لمدة أربعة أسابيع من أحد عصيرين، ثم توقف أربعة أسابيع، ثم انتقل إلى العصير الآخر. هذا تصميم متقاطع (crossover)، يجعل كل شخص مقارنا بنفسه. العصير الأول من طماطم غنية جدا بالليكوبين (lycopene)، الصبغة الحمراء، أضيف إليه مستخلص من إيزوفلافونات الصوجا (soy isoflavones). والثاني، وهنا الذكاء، عصير من طماطم صفراء تحمل طفرة تعطّل إنزيما أساسيا لصنع الصبغات، فتكاد تخلو من الليكوبين. أي أن العصيرين طماطم في الحالتين، والفرق المقصود هو الليكوبين والصوجا فقط.

ونجح الجزء الأول بوضوح: ارتفع الليكوبين في دم كل المشاركين بعد العصير الأحمر، وتضاعف تقريبا ثلاث مرات في المتوسط. الجسم امتص ما أعطي له.

ولهذا العصير تاريخ أقدم من السمنة. في 1995 وجدت دراسة رصدية أمريكية كبيرة أن الرجال الذين يأكلون منتجات الطماطم عشر مرات أو أكثر في الأسبوع كانوا أقل إصابة بسرطان البروستاتا المتقدم (Giovannucci et al., 1995)، ولوحظ في الفترة نفسها أن هذا السرطان أقل شيوعا في اليابان والصين حيث تكثر الصوجا. من هذين الخيطين صنعت جامعة أوهايو عصيرها قبل سنوات، ثم جرّبته على مرضى البروستاتا، ثم نقلته اليوم إلى الالتهاب. هذا مسار طبيعي في البحث: ملاحظة سكانية، ثم فرضية، ثم تجارب صغيرة. لكن كل محطة فيه تحتاج دليلها الخاص، ولا تنتقل النتيجة من مرض إلى آخر تلقائيا.

«قبل وبعد» ليست «مقارنة»

قاس الباحثون خمسة عشر بروتينا من السيتوكينات (cytokines)، وهي رسائل كيميائية يتبادلها الجهاز المناعي وترتفع في الالتهاب المزمن الخفيف المرافق للسمنة. بعد أسابيع العصير الأحمر انخفضت ثلاثة منها انخفاضا دالّا إحصائيا: IL-5 وIL-12p70 وGM-CSF، واقترب TNF-α من الدلالة دون أن يبلغها. هذا هو الخبر.

لكن الورقة تقول بعده مباشرة إن هذه الانخفاضات لم تظهر حين قورنت نهاية فترة العصير الأحمر بنهاية فترة العصير الأصفر. وهذه هي المقارنة التي صُمّمت التجربة من أجلها. تخيّل أنك تقيس حرارة غرفة صباحا ومساء بعد تشغيل مكيّف جديد، فتجدها انخفضت. لن تعرف فضل المكيّف إلا إذا قستها في يوم آخر بلا مكيّف. انخفاض «قبل وبعد» قد تصنعه أمور كثيرة: الموسم، والانتباه للأكل لأنك في تجربة، والتراجع الطبيعي للقيم المرتفعة نحو متوسطها (regression to the mean). المجموعة الضابطة موجودة لتطرح كل هذا.

وفي الورقة تفصيل آخر يستحق الانتباه. السيتوكينات التي بُني عليها حساب حجم العينة مسبقا كانت TNF-α وMCP-1 وIFN-γ وIL-6 وIL-8، ولم يتغيّر أيّ منها تغيّرا دالّا. والثلاثة التي انخفضت لم تكن على رأس القائمة. ويحسب المؤلفون بصراحة أنهم كانوا سيحتاجون إلى 108 مشاركين لرصد فرق في IL-6 بين العصيرين. هذا لا يعني أن العصير بلا أثر. يعني أن التجربة أصغر من أن تجيب عن سؤالها، وأن عبارة «خفّض الالتهاب» تسبق الدليل بخطوة.

وحلّل الفريق أيضا البول بتقنية الأيضيات (metabolomics)، أي رصد آلاف الجزيئات الصغيرة الناتجة عن الهضم والاستقلاب دفعة واحدة. ظهرت نواتج الصوجا بوضوح بعد العصير الأحمر، وهذا متوقع. لكن الطريف أن العصيرين معا أحدثا بعض التغيّرات المشتركة، أي أن للطماطم أثرا في الاستقلاب حتى من دون الليكوبين. وهذا يذكّر بأن الطعام ليس جزيئا واحدا نعزله في كبسولة، وأن «المكوّن الفعّال» الذي تحمله العناوين قد لا يكون وحده صاحب الفضل.

ما الذي نعرفه عن الطماطم والالتهاب

الطماطم ليست غريبة على هذا الباب. جمع تحليل تلوي (meta-analysis) 21 تجربة تدخلية، ووجد أن إضافة منتجات الطماطم ارتبطت بانخفاض الكوليسترول الضار (LDL) وبانخفاض متواضع في IL-6 وبتحسّن وظيفة بطانة الأوعية، بينما لم يتأثر بروتين CRP، أشهر مؤشرات الالتهاب في المستشفى (Cheng et al., 2017). الإشارة موجودة، لكنها صغيرة، والتجارب متفاوتة في الجودة والجرعة والمدة.

أما الصوجا فقصتها مختلفة. إيزوفلافوناتها مركّبات نباتية تشبه في بنيتها هرمون الإستروجين، ولهذا تسمّى «إستروجينات نباتية» (phytoestrogens). وكميتها في العصير الأحمر، كما تذكر الورقة، تفوق عدة مرات ما يتناوله البالغ الياباني عادة في يومه، والمطبخ الياباني من أغنى المطابخ بالصوجا. هذا تركيز تجريبي لا يشبه أي طبق في مطبخنا، والصوجا أصلا ليست من مكونات المائدة الجزائرية اليومية. ثم إن العصير احتوى ملحا ليصير مستساغا، وهذا تفصيل يهمّ من يعاني من ارتفاع الضغط قبل أن يفكر في الليكوبين.

الشكشوكة تعرف ما لا يعرفه العصير الطازج

هناك جزء من هذه القصة قريب جدا من مطبخنا. الليكوبين محبوس داخل جدران خلايا الطماطم، ويذوب في الدهون لا في الماء. لذلك فإن الطهي يكسر تلك الجدران، والزيت يحمل الصبغة إلى الأمعاء. في تجربة ألمانية قديمة أعطت المتطوعين الكمية نفسها من الليكوبين مرة من طماطم طازجة ومرة من معجون الطماطم، مع الكمية نفسها من الزيت في المرتين، كانت مساحة منحنى الليكوبين في الدم بعد المعجون أعلى بنحو أربع مرات تقريبا (Gärtner et al., 1997). وتذكر ورقة أوهايو نفسها أن الامتصاص أفضل من الطماطم المعالَجة حراريا، وأنه يتأثر بما يؤكل معها من دهون وألياف.

بعبارة أخرى، طبق الشكشوكة أو المرق الأحمر المطبوخ بزيت الزيتون يقدّم الليكوبين في الصورة التي يمتصها الجسم جيدا، دون علب خاصة ولا مستخلصات. هذا لا يجعله علاجا للالتهاب، فلا دليل على ذلك. لكنه يذكّر بأن السؤال المفيد غالبا ليس «أي غذاء خارق أشتري؟» بل «كيف آكل ما في مطبخي أصلا؟».

يعمل الفريق الآن على تجربة جديدة بالعصير نفسه لدى مرضى التهاب البنكرياس المزمن، وهي فكرة معقولة تستحق الانتظار. وحين تُنشر نتائجها، سيكون أول ما أبحث عنه في الورقة سطرا واحدا: ماذا حدث في المجموعة الضابطة؟

هذا المقال للتثقيف وليس بديلا عن استشارة الطبيب.

الصورة: VSerebrenikov / Wikimedia Commons، CC BY-SA 4.0


قد يعجبك أيضاً

الشربة التي لا تكفي طب

الشربة التي لا تكفي

أكثر من نصف المسنين في دراسة أمريكية على 5062 شخصا يعيشون على الشربة والعصائر والأطعمة الليّنة، بأقل حصة من البروتين. لماذا يهدد الطعام السهل عضلات كبار السن، ومتى يكون الصحن الليّن غذاء كاملا.

اقرأ المزيد
حليب الإبل بين الدواء والحمّى طب

حليب الإبل بين الدواء والحمّى

حليب الإبل خفّض السكر التراكمي في تجارب صغيرة على مرضى السكري، لكن عيّناته النيّئة تحمل السالمونيلا والحمى المالطية. لماذا لا تحتاج الفائدة المحتملة إلى الحليب النيّئ، وما قصة بريون الإبل في ورقلة.

اقرأ المزيد