في عيادات ضغط الدم سؤال يتكرر بصيغ مختلفة: «أليس هناك شيء آكله يُبطل مفعول الملح؟». المريض لا يريد التخلي عن الخبز ولا عن الشوربة المالحة، يريد ترياقا يُضاف إلى الطبق. ولذلك تنتشر بسرعة عناوين من نوع «مكوّن من الصويا يحمي من أضرار الملح على الضغط والدماغ». هذا بالضبط ما خرجت به دراسة يابانية حديثة عن ليسيتين الصويا (soy lecithin) في صورته المعدّلة، المستخلص من فول الصويا (Glycine max). النتيجة حقيقية، لكنها تخص فئرانا أكلت ملحا لا يأكله أحد، وقراءتها على أنها رخصة للإكثار من الملح خطأ في الفهم قبل أن يكون خطأ في الطب.
ما الذي جرى للفئران في الدراسة اليابانية
نشر فريق من جامعة فوجيتا الصحية في اليابان الدراسة في مجلة Neurochemistry International في عددها لصيف 2026 (Kubota وآخرون، 2026). النص الكامل خلف اشتراك مدفوع، فكل ما يلي مأخوذ مما يذكره ملخص الدراسة.
أُطعمت الفئران عشرة أسابيع علفا يحتوي على 8% من كلوريد الصوديوم، وأُضيف إلى علف بعضها مستحضر اسمه LPC70. وبحسب الملخص، رفع العلف المالح الضغط الانقباضي (systolic blood pressure)، وأضعف اهتمام الفئران بالتفاعل مع أقرانها وقدرتها على تذكّر شيء رأته من قبل (object recognition memory). أما الفئران التي أخذت LPC70 فكانت هذه التغيرات عندها أخف.
ولتفسير ذلك قاس الباحثون جينات مرتبطة بالبروستاغلاندينات (prostaglandins)، وهي جزيئات دهنية تعمل كهرمونات موضعية قصيرة المدى. في الكلية، رفع الملح نشاط إنزيم COX-2 ومستقبِلا يسمى EP3، وفي القشرة الجبهية للدماغ خفّض مستقبِلا يسمى DP1 تُنسب إليه وظيفة وقائية. وخفف LPC70 هذه التغيرات. يمكن تشبيه الأمر بمنظم صوت في غرفتين: الملح رفع الصوت في الكلية وأخفضه في الدماغ، والمكمل أعاد المؤشرين قليلا نحو الوسط. والباحثون أنفسهم حذرون في الصياغة، إذ كتبوا أن الحماية «قد ترتبط» بهذه الإشارات، لا أنها سببها المؤكد.
الليسيتين الذي نأكله دون أن ننتبه
كلمة «ليسيتين» تبدو غريبة، لكن أغلبنا يأكله يوميا. فهو خليط من الدهون الفوسفورية (phospholipids) يُستخرج من الصويا أو دوّار الشمس أو صفار البيض، ويُضاف إلى الشوكولاتة والبسكويت والخبز الصناعي لأنه يمزج الدهن بالماء. على الأغلفة يظهر باسم E322. وقد راجعت الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية هذا المضاف سنة 2017، وخلصت إلى أنه لا يثير قلقا على صحة عامة الناس بالكميات المستعملة في الأغذية، ولم تر حاجة لتحديد سقف يومي له (EFSA، 2017).
لكن LPC70 ليس ليسيتين علبة الشوكولاتة. فالمكوّن الأساسي في الليسيتين العادي هو الفوسفاتيديل كولين (phosphatidylcholine)، وهو جزيء له «ذيلان» من الأحماض الدهنية. وحين يُنزع أحد الذيلين بإنزيم نحصل على «ليسو» فوسفاتيديل كولين (lysophosphatidylcholine). وLPC70 مستحضر تزيد فيه نسبة هذا الجزيء ذي الذيل الواحد على 70% من دهونه الفوسفورية. هو إذن مكوّن صناعي مصمَّم، ونتائجه لا تنتقل تلقائيا إلى حليب الصويا ولا إلى الفول نفسه.
وأمر آخر يستحق الذكر بلا تهويل: من بين المؤلفين باحثون يعملون في شركة يابانية تنتج زيوتا ومكونات غذائية، ويصرّح المقال بأن الشركة قدّمت دعما ماليا ومواد للبحث. هذا لا يُبطل النتائج، فكثير من الأبحاث الجيدة يموّلها القطاع الخاص. لكنه سبب إضافي لانتظار فريق مستقل يكرر التجربة قبل البناء عليها، كما نقل موقع News-Medical عن الفريق نفسه أن الدراسات السريرية ما زالت خطوة مقبلة.
جرعة ملح لا يأكلها إنسان
نسبة 8% رقم مخيف حين نترجمه. العلف القياسي للفئران يحتوي على نحو 0.5% من الملح، وفي دراسة أمريكية استعملت النسبة نفسها وصف الباحثون علف 8% بأنه زيادة تبلغ ستة عشر ضعفا (Faraco وآخرون، 2018). وهذا نموذج مخبري متعمد، يدفع الجسم إلى أقصى حالاته كي تظهر التغيرات بوضوح خلال أسابيع، وليس صورة لما يحدث في مطبخ عادي.
ثم إن الفأر ليس إنسانا صغيرا. كليته تتعامل مع الصوديوم بطريقة مختلفة، واختبار «تذكّر الشيء» عنده مقياس بعيد جدا عن تعقيد الذاكرة البشرية والخرف. ما تقدمه دراسة كهذه هو فرضية آلية جيدة: ربما تمر أضرار الملح جزئيا عبر البروستاغلاندينات، وربما يمكن تعديل هذا المسار غذائيا. أما «تناول الصويا يحمي دماغك من الملح» فاستنتاج لا تحمله البيانات.
الملح يصل إلى الدماغ من طريق آخر
دراسة 2018 المذكورة أعلاه تضيف تعقيدا مهما. فقد وجد فريق جامعة كورنيل أن الملح المفرط أضعف تدفق الدم إلى دماغ الفئران وأضر بذاكرتها دون أن يرفع ضغط دمها. وكان الطريق الذي تتبعوه يبدأ من الأمعاء: يتكاثر نوع من الخلايا المناعية يسمى TH17 في الأمعاء الدقيقة، فيرتفع في الدم جزيء التهابي اسمه إنترلوكين 17 (IL-17)، فتقل قدرة بطانة الأوعية الدماغية على إنتاج أكسيد النيتريك الذي يوسعها (Faraco وآخرون، 2018).
الدرس هنا ليس أن إحدى الدراستين أصح من الأخرى، فكلتاهما على الفئران. الدرس أن الملح لا يضر من باب واحد. فإذا خفف مكمّل ما أحد المسارات، كضغط الدم أو إشارة في الكلية، فقد تبقى أبواب أخرى مفتوحة: المناعة في الأمعاء، وبطانة الأوعية، وتصلب الشرايين على مدى سنوات. ولهذا لا يوجد في الطب مكمّل يُعطى «مقابل» الملح، بينما يوجد علاج ثابت الأثر اسمه تقليل الملح.
خبزنا قبل أي مكمّل
تقدّر منظمة الصحة العالمية متوسط ما يتناوله البالغ في العالم بنحو 11 غراما من الملح يوميا، أي أكثر من ضعف حد الخمسة غرامات الذي توصي بألا يتجاوزه البالغون. وتربط المنظمة الإفراط في الصوديوم بنحو 1.7 مليون وفاة سنويا، وتشير إلى أن جزءا كبيرا منه يأتي من الأغذية المصنّعة، وعلى رأسها الخبز واللحوم المحضّرة والمقبلات والصلصات، لا من المملحة على المائدة (WHO).
في الجزائر لهذا الكلام وزن خاص. ففي المسح الوطني لعوامل خطر الأمراض غير السارية (STEPS 2016–2017)، الذي شمل 6765 بالغا، بلغت نسبة ارتفاع ضغط الدم 31.6%، وكانت نسبة «ما قبل ارتفاع الضغط» (prehypertension) 36.2% (BMC Public Health، 2022). معنى ذلك أن ثلثي البالغين تقريبا إما مصابون أو في الطريق إلى الإصابة. والخبز الأبيض، الحاضر في كل وجبة تقريبا، من أكبر مصادر الملح الخفية عندنا.
وفي تلمسان تابعت دراسة صغيرة 134 مريضا بارتفاع الضغط، اختار بعضهم خبزا قليل الملح ولم يختره الآخرون. كان متوسط الضغط عند من اتبعوا الخبز قليل الملح أخفض بوضوح (Berrichi وآخرون، Nutrition and Health). لكن الدراسة لم تكن عشوائية، فالمرضى اختاروا بأنفسهم، ومن يختار خبزا قليل الملح غالبا ما يغير عادات أخرى معه. ومع ذلك فهي تقيس شيئا يأكله الجزائريون فعلا، على بشر من مدينة جزائرية، وهذا ما لا تقدمه أي دراسة على الفئران.
حين أضع الدراستين جنبا إلى جنب، أجد مفارقة تستحق التأمل. الأولى تبحث عن مكوّن جديد يصلح ما أفسده الملح في فأر أكل ستة عشر ضعف حاجته. والثانية تكتفي بأن تنقص الملح من رغيف يومي. فأيهما نحتاج أكثر: مكمّلا يعدنا بأن نأكل كما نشاء، أم مخبزا في الحي يعرف أن الملح في خبزه أكثر مما يلزم؟
هذا المقال للتثقيف وليس بديلا عن استشارة الطبيب.
الصورة: United Soybean Board / Wikimedia Commons، CC BY 2.0