في جدول صغير في آخر الدراسة رقمان متطابقان تقريبا: 77.3 و77.4. هذا هو المؤشر الجلايسيمي لبرغرين نباتيين من الكينوا (Chenopodium quinoa)، والمؤشر يُعدّ مرتفعا متى بلغ 70. ومع ذلك انتشرت الدراسة نفسها في الصحافة العلمية تحت عنوان يقول إن برغر الكينوا «يقلّل قفزات السكر بعد الأكل». العنوان ليس كاذبا تماما، والجدول ليس خاطئا. لكن المسافة بينهما تعلّمنا كيف نقرأ أي خبر عن طعام «يضبط السكر»، وهذا ما يهمّني هنا أكثر من البرغر.
ماذا قاست الدراسة فعلا
الدراسة نشرتها الباحثتان ستيفاني كامبوس وماريانا إيغيا من المعهد الفدرالي في غوياس بالبرازيل في مجلة ACS Nutrition Science في يونيو 2026 (Campos & Egea, 2026)، ونقلها بعد ذلك موقع News-Medical. صنعت الباحثتان قرصين نباتيين وزن كل منهما 50 غراما: الأول من الكينوا الحمراء المطبوخة، والثاني نصفه كينوا ونصفه لبّ ثمرة «البارو» (Dipteryx alata)، وهي شجرة برازيلية يُباع لوزها ويُرمى لبّها عادة.
شارك ثمانية متطوعين أصحاء، سبع نساء ورجل واحد، متوسط أعمارهم نحو ثلاثين سنة. جاء كل منهم صائما، فأكل القرص، ثم قيس سكره من وخزة في الإصبع بجهاز قياس منزلي كل نصف ساعة لمدة ساعتين. وللمقارنة شربوا في أيام أخرى 50 غراما من الغلوكوز الخالص.
بلغت الذروة بعد نصف ساعة في الحالات الثلاث: نحو 174 ملغ/دل بعد الغلوكوز، ونحو 118 و120 بعد القرصين. هذا هو «الانخفاض» الذي حمله العنوان. أما إضافة لبّ البارو، وهي فكرة الدراسة الأصلية، فلم تغيّر شيئا يُذكر: المؤشر واحد تقريبا في القرصين، والفرق غير دالّ إحصائيا.
المقارنة بالغلوكوز الخالص ليست إنجازا
المؤشر الجلايسيمي (glycemic index) مقياس نسبي. نأخذ المساحة التي يرسمها منحنى السكر فوق مستوى الصيام بعد أكل الطعام، ونقسمها على المساحة بعد شرب غلوكوز يحتوي الكمية نفسها من الكربوهيدرات، ثم نضرب في مئة. الغلوكوز هو السقف بالتعريف، قيمته 100. لذلك فإن قولنا إن طعاما «رفع السكر أقل من الغلوكوز» يكاد يصدق على كل ما نأكله، من الخبز الأبيض إلى البطاطا المهروسة.
السؤال المفيد هو أين يقع الطعام على السلّم: منخفض (55 فأقل)، متوسط، أم مرتفع (70 فأكثر). وهنا تضع الدراسة نفسها القرصين في خانة المرتفع صراحة. الطريف أن الفقرة الأخيرة من الورقة تعود فتصفهما بأنهما «منخفضا المؤشر»، وهو تناقض داخل النص نفسه كان على التحكيم أن يلتقطه.
وفي المنهج تفصيل آخر. القواعد المعتمدة لقياس المؤشر، كما تلخّصها مراجعة منهجية مرجعية (Brouns et al., 2005) ومعيار ISO 26642، تطلب أن تحتوي حصة الطعام المختبَر على كمية الكربوهيدرات المتاحة نفسها التي في المرجع، وأن يكون عدد المشاركين عشرة على الأقل، وأن يُختبر كل طعام بترتيب عشوائي. في هذه الدراسة احتوى القرص على 28 إلى 31 غراما من الكربوهيدرات مقابل 50 غراما في الغلوكوز، والكميات محسوبة من جداول التركيب الغذائي لا مقيسة في المخبر. وقد أُكل القرصان بترتيب ثابت، في اليوم الرابع ثم الخامس، مرة واحدة لكل منهما. الحصة الأصغر ترسم منحنى أصغر، فالأرجح أن المؤشر الحقيقي ليس أقل من 77، وربما كان أعلى.
لا يعني هذا أن الدراسة بلا قيمة. هي دراسة استطلاعية (pilot) صغيرة تختبر فكرة صناعية: هل يمكن تحويل نفايات ثمرة إلى غذاء؟ لكنها لا تصلح أساسا لعنوان صحي.
الكينوا حبةً ليست الكينوا قرصا
الأهم أن الكينوا نفسها ليست المتّهم. هي ليست حبوبا بالمعنى النباتي، بل بذور نبات من فصيلة السبانخ والشمندر، ولذلك تُسمّى «حبوبا كاذبة» (pseudocereal). وهي غنية بالبروتين والألياف والبوليفينولات، وهذه مركّبات تبطئ تفكيك النشويات في الأمعاء نظريا.
لكن ما يحدث في المطبخ يغيّر القصة. الطبخ تحت الضغط ثم الهرس والخلط يفتّت حبيبات النشا ويكسر الغلاف الليفي الذي كان يحميها، فتصل إنزيمات الهضم إليها بسرعة. والباحثتان نفسيهما تشيران إلى هذا التفسير حين تقارنان نتيجتهما بقيمة قريبة سُجّلت سابقا لأقراص نباتية أخرى. تخيّل الفرق بين أن تمضغ حبّة قمح كاملة وأن تأكل دقيقها مطبوخا في عصيدة: المادة واحدة، والسرعة التي يصل بها السكر إلى الدم مختلفة تماما.
وهذه ليست ملاحظة خاصة بالكينوا. الجداول الدولية للمؤشر الجلايسيمي، التي جمعت أكثر من أربعة آلاف قيمة، وجدت أن الحبوب ومشتقاتها، حتى الكاملة منها، تتفاوت تفاوتا واسعا من بلد إلى آخر، ورجّح مؤلفوها أن طريقة التصنيع هي السبب (Atkinson et al., 2021). الخبز والأرز يوجدان في نسخ منخفضة ومتوسطة ومرتفعة. وهذا درس قريب جدا من مطبخنا: الكسرة والكسكس والمحاجب ليست قيمة واحدة ثابتة، بل تتغيّر بنوع الطحين ودرجة الطحن وطريقة الطبخ وما يرافقها في الطبق.
ما الذي نعرفه عن الكينوا من دراسات أطول
إذا أردنا أن نعرف أثر الكينوا على السكر، فالدليل الأفضل لا يأتي من ساعتين بعد قرص واحد، بل من تجارب تمتد أسابيع وأشهرا. جمع تحليل تلوي (meta-analysis) سبع تجارب عشوائية شملت 258 بالغا، وخلص إلى أثر مفيد للكينوا على سكر الصيام، مع إقرار المؤلفين بأن النتيجة تحتاج إلى تأكيد، ودون أثر يُذكر على الوزن (Atefi et al., 2024). وفي تجربة صينية تابعت 207 أشخاص يعانون من اضطراب تحمّل الغلوكوز (impaired glucose tolerance) لمدة سنة، كان أداء مجموعة الكينوا أفضل من مجموعة الحبوب الكاملة المتعددة في سكر ما بعد الأكل وفي الهيموغلوبين السكري (Huang et al., 2025).
هذه نتائج أكثر إقناعا من دراسة البرغر، لكنها تبقى محدودة: عدد التجارب قليل، والمشاركون من مجتمعات بعينها، والكينوا فيها جزء من نظام غذائي كامل لا «دواء» مستقل. لا شيء منها يقول إن طعاما واحدا يعالج السكري أو يغني عن العلاج.
الكينوا في واحات وادي ريغ
قد تبدو الكينوا غريبة على المائدة الجزائرية، فهي نبات أنديزي من جبال بوليفيا والبيرو. لكنها لم تعد بعيدة. ضمن مشاريع منظمة الأغذية والزراعة بعد «السنة الدولية للكينوا» جُرّبت زراعتها في بلدان من الشرق الأدنى وشمال إفريقيا منها الجزائر (Bazile et al., 2016). ثم زرع باحثون من جامعتي الوادي وأم البواقي سبعة أصناف منها في حقل مفتوح ببلدية تقرت في وادي ريغ، خلال موسمين متتاليين بين 2017 و2019، لأن تحمّلها للملوحة يجعلها مرشحة للأراضي التي تضيق بها المحاصيل المعتادة (Sahara Desert quinoa trial, 2023).
ذلك يعني أن الكينوا قد تصبح يوما محصولا محليا لا سلعة مستوردة باهظة الثمن تُباع على رفّ «الأكل الصحي». لكنه يعني أيضا أن عناوين «الغذاء الخارق» ستصلنا معها. وحين تصل، يكفي سؤال واحد قبل أي شيء آخر: أقلّ من ماذا؟
هذا المقال للتثقيف وليس بديلا عن استشارة الطبيب.
الصورة: Philipp / iNaturalist عبر Wikimedia Commons، CC0