عبد الرحمان هلال

الطب · العلوم · التأمل
طب

سكّر الفطر الذي لا نهضمه

Abderahmane Hellal · 30 سبتمبر 2026

في طبق الفطر الذي نقليه مع البيض، أو «الشمبينيون» كما نسمّيه في الجزائر، جزء لن تمسّه أنزيماتنا الهاضمة أبدا. يعبر المعدة والأمعاء الدقيقة كما دخل، ثم يصل إلى القولون حيث تنتظره تريليونات البكتيريا. هذا الجزء هو ما يجعل الفطر مثيرا لاهتمام الباحثين: سكريات معقّدة (polysaccharides)، أشهرها البيتا غلوكان (β-glucan)، لا يستطيع جسمنا تفكيكها. وقد نشرت مجلة npj Science of Food هذا العام مراجعة علمية جمعت ما نُشر عن هذه السكريات في 20 نوعا من الفطر الصالح للأكل والفطر المستعمل في الطب التقليدي، وخلصت إلى أنها قد تعمل كغذاء للبكتيريا النافعة في الأمعاء، أي كـ«بريبيوتيك» (prebiotic).

قبل أن يتحوّل هذا إلى عنوان من نوع «الفطر يعالج السكري»، يستحق الأمر أن نفهم ما الذي يحدث فعلا، وأين تقف الأدلة.

لماذا يكون العجز عن الهضم ميزة

أول ما يتعلّمه طالب الطب في الكيمياء الحيوية أن الغلوكوز يمكن أن يُربط بغيره بطرق مختلفة، وأن هذا الاختلاف الصغير يغيّر كل شيء. النشا في الخبز والبطاطا سلسلة من الغلوكوز مربوطة بروابط من نوع ألفا، ولدينا أنزيم الأميلاز المصمّم لقطعها، فيتحوّل النشا بسرعة إلى سكر في الدم. أما البيتا غلوكان فمصنوع من الغلوكوز نفسه تقريبا، لكن بروابط من نوع بيتا لا يملك الإنسان مقصّا لها.

تخيّل قفلين يبدوان متشابهين من بعيد، ومعك مفتاح واحد يفتح الأول فقط. هذا ما يحدث في الأمعاء الدقيقة. الجزء الذي لا يُفتح يمضي إلى القولون، وهناك تملك بعض البكتيريا المفاتيح التي تنقصنا. تخمّره فتنتج أحماضا دهنية قصيرة السلسلة (short-chain fatty acids)، مثل الأسيتات والبروبيونات والبوتيرات. البوتيرات تحديدا هو الوقود المفضّل لخلايا بطانة القولون، ويُدرس دوره في الحفاظ على الحاجز المعوي وتهدئة الالتهاب.

تقول مراجعة npj Science of Food، حسب ملخّصها، إن أغلب هذه السكريات تأتي من شعبة الفطريات الدعامية (Basidiomycota)، وهي الشعبة التي ينتمي إليها فطر المحار والشيتاكي والريشي، وإنها تعدّل تركيبة بكتيريا الأمعاء وتحسّن استقلاب الدهون والمناعة. وكما نقل موقع News-Medical عنها، فإن جزءا كبيرا من الأدلة التي جمعتها يأتي من المختبر ومن التجارب على الحيوانات. لم أتمكّن من الوصول إلى النص الكامل، لذلك أعتمد هنا على الملخّص فقط.

الفأر ليس مريضا في عيادة

هنا النقطة التي يتجاوزها كثير من العناوين. حين تقرأ أن سكريات الفطر «حسّنت التهاب القولون» أو «خفّضت الكوليسترول»، فالغالب أن المقصود فئران أُعطيت مادة تسبّب التهاب القولون عمدا، أو فئران سُمّنت بغذاء عالي الدهون، ثم أُعطيت مستخلصا مركّزا ومنقّى من فطر ما. هذه تجارب مفيدة لفهم الآلية، لكن المسافة بينها وبين إنسان يأكل الفطر مرتين في الأسبوع طويلة جدا.

فبكتيريا أمعاء الفأر تختلف عن بكتيريانا، والمستخلص المنقّى في المختبر غير الفطر المطبوخ في الطنجرة. حتى المراجعة نفسها تشير إلى أن طريقة الاستخلاص تغيّر حجم الجزيئات وبنيتها، وبالتالي أثرها. معنى ذلك أن نتيجة مستخلص معيّن لا تنتقل تلقائيا إلى نوع آخر من الفطر، ولا إلى طريقة أخرى في تحضيره.

وحين انتقل الباحثون إلى البشر، جاءت الصورة أهدأ من عناوين المختبر. في تجربة سريرية عشوائية مزدوجة التعمية نُشرت في European Journal of Nutrition عام 2021، تناول 52 متطوعا لديهم ارتفاع خفيف في الكوليسترول مستخلصا غنيا بالبيتا غلوكان من فطر الشيتاكي (Lentinula edodes) أو دواء وهميا لمدة ثمانية أسابيع (Marco وزملاؤه). زاد تنوّع بكتيريا الأمعاء عند من تناولوا المستخلص، وهذا ما تتوقّعه النظرية. لكن الكوليسترول لم يتغيّر مقارنة بمجموعة الدواء الوهمي. البكتيريا تغيّرت، والرقم الذي يهمّ الطبيب بقي كما هو، على الأقل في تلك المدة وبذلك الحجم.

ما نعرفه عن البيتا غلوكان من مصدر آخر

المفارقة أن البيتا غلوكان ليس حكرا على الفطر، وأن أقوى أدلته تأتي من الحبوب. الشوفان والشعير يحتويان بيتا غلوكان من نوع مختلف في بنيته. وقد درسته عشرات التجارب على البشر، إلى أن أقرّت الهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء بوجود علاقة سببية بين بيتا غلوكان الشعير وانخفاض الكوليسترول الضار LDL، بعد تحليل تجميعي شمل 11 تجربة عشوائية (EFSA).

هذا لا يعني أن بيتا غلوكان الفطر سيفعل الشيء نفسه. الاسم واحد، لكن الروابط والتفرّعات مختلفة، والمراجعة الجديدة نفسها تؤكد أن طريقة ارتباط وحدات السكر قد تحدّد النشاط البيولوجي أكثر مما يحدّده نوع السكر. ما يفيدنا به الشعير هو معيار: هكذا يبدو الدليل حين ينضج، تجارب كثيرة على بشر، ونتائج متّسقة، وهيئة رقابية تقبل الادعاء. سكريات الفطر لم تصل إلى هذه المرحلة بعد.

وماذا عن الدراسات السكانية؟ تحليل تجميعي نُشر في Advances in Nutrition عام 2021 جمع 17 دراسة، ووجد أن من يأكلون الفطر أكثر كان خطر إصابتهم بالسرطان أقل بنحو الثلث مقارنة بمن يأكلونه أقل (Ba وزملاؤه). رقم لافت، لكنه من دراسات رصدية: قد يكون محبّو الفطر أكثر أكلا للخضار عموما، أو أقل تدخينا، أو أيسر حالا. الارتباط هنا سؤال مفتوح، وليس جوابا.

الترفاس: فطرنا المنسيّ في النقاش

حين تُكتب هذه المراجعات، يكون الفطر الآسيوي في المركز: الريشي والشيتاكي والكورديسيبس، لأنها جزء من الطب الصيني التقليدي، ولأن أغلب الباحثين في هذا المجال من الصين. لكن لنا في شمال إفريقيا فطرنا الخاص: الترفاس، أو الكمأة الصحراوية من جنس Terfezia، الذي يظهر في الربيع بعد أمطار الخريف والشتاء في السهوب والصحراء، ويُباع في الأسواق بأسعار تتقلّب مع المطر.

وهو ليس غذاء هامشيا. تذكر دراسة في مجلة Foods أن الكمأة الصحراوية جزء من ثقافة البحر المتوسط وشمال إفريقيا والشرق الأوسط منذ قرون، وأن أغلب تجارتها العالمية تمرّ عبر دول شمال إفريقيا، وأنها تُستعمل بديلا عن اللحم أو تُطحن لتُضاف إلى الخبز. ووجد تحليل أحد أنواعها أنه يحتوي نحو 10% من الألياف الغذائية ونحو 14% من البروتين. كما درس باحثون الترفاس الجزائري (Terfezia claveryi) ووجدوه غنيا بالسكريات والمركّبات الفينولية.

الترفاس لا ينتمي إلى الشعبة نفسها التي تهيمن على المراجعة، فهو من الفطريات الزقّية (Ascomycota)، وسكرياته لم تُدرس بالعمق نفسه، ولا توجد تجارب بشرية على أثره في بكتيريا الأمعاء. وهذه فجوة بحثية حقيقية: غذاء محلّي يأكله الناس منذ أجيال، ومختبرات جامعاتنا أقرب إليه من أي مختبر في الصين.

كيف نقرأ هذا الخبر إذن

الفطر طعام جيد لأسباب لا تحتاج إلى عنوان مثير: قليل السعرات، فيه ألياف وبروتين، ويمكن أن يأخذ مكان جزء من اللحم في الطبق. وسكرياته العصيّة على الهضم تنضمّ إلى عائلة الألياف التي نعرف منذ زمن أنها تغذّي بكتيريا الأمعاء. هذا كله معقول ومنسجم مع ما نعرفه.

أما القفز من «مستخلص منقّى خفّف التهاب القولون عند الفئران» إلى كبسولات «فطر طبي» تُباع لعلاج السكري أو القولون العصبي، فهو قفزة لا تسندها الأدلة الحالية. ومن يعاني من مرض مزمن، أو يتناول أدوية تؤثر في المناعة أو سكر الدم، فمكان سؤاله عيادة الطبيب، لا رفّ المكمّلات.

ربما السؤال الأجدر هو هذا: كم من أطعمتنا المحلية، كالترفاس والشعير والتين المجفّف، يحمل الآلية نفسها التي نقرأ عنها في مجلات لا تذكرها أصلا، لأن أحدا لم يدرسها بعد؟

هذا المقال للتثقيف وليس بديلا عن استشارة الطبيب.

الصورة: schizoform / Wikimedia Commons, CC BY 4.0


قد يعجبك أيضاً

الشربة التي لا تكفي طب

الشربة التي لا تكفي

أكثر من نصف المسنين في دراسة أمريكية على 5062 شخصا يعيشون على الشربة والعصائر والأطعمة الليّنة، بأقل حصة من البروتين. لماذا يهدد الطعام السهل عضلات كبار السن، ومتى يكون الصحن الليّن غذاء كاملا.

اقرأ المزيد
حليب الإبل بين الدواء والحمّى طب

حليب الإبل بين الدواء والحمّى

حليب الإبل خفّض السكر التراكمي في تجارب صغيرة على مرضى السكري، لكن عيّناته النيّئة تحمل السالمونيلا والحمى المالطية. لماذا لا تحتاج الفائدة المحتملة إلى الحليب النيّئ، وما قصة بريون الإبل في ورقلة.

اقرأ المزيد